منذ ما قبل الأزمة التي تعصف باقتصادنا، ظهرت تحليلات عدّة عن أسباب الأزمة والسياسات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من تدحرج لا يبدو أن هناك من وما سيوقفه في وقت قريب. ووُزّعت المسؤوليات، خلال هذه الفترة، على كل الأطراف السياسيّة وممثلي السلطات والمؤسّسات الماليّة العامّة والخاصّة، وعلى الذين تبوّأوا المناصب التنفيذيّة منذ ثلاثين عاماً إلى الآن.

ولكن لم يتطرق أحد إلى احتمال تحمّل الشعب اللبناني مسؤولية ما عمّا آلت إليه الأمور من عدمه. وإن كان يتحمّل مسؤوليّة، فإلى أي مدى؟ وهنا عندما نتحدّث عن المسؤوليّة، لا نتحدّث عن الخيارات السياسيّة والاصطفافات السياسيّة وما نتج منها، إنّما نتحدّث عن تشخيص الخلل الحاصل خلال فترة التغيير الكبير الذي أتى به مشروع الرئيس رفيق الحريري، وكيفية التعاطي معه.
ولكن قبل أن نحدّد إن كان الشعب اللبناني يتحمل جزءاً من المسؤولية، لا بد من أن نرسم صورة أحد السياقات الأساسيّة في صناعة وَهْم عاشه الشعب اللبناني حتى شهر مضى، أسّست له سياسات الرئيس رفيق الحريري خلال العقد الأوّل من وجوده في الحكم.

التضخّم والدولرة والتثبيت
أصبح معروفاً اليوم، أنّ الاقتصاد اللبناني، بسبب التضخّم الشديد، أصبح مدولراً بشكل غير رسمي منذ مطلع التسعينيات، ثمّ تبع ذلك قرار تثبيت سعر صرف الليرة عام 1993 الذي طُبّق بشكل تدريجيّ إلى أن أخذ سعر الصرف قيمته النهائيّة عام 1997، فتمّ تثبيته عند 1507 ليرات للدولار وسطياً.
في دراسته بعنوان «معضلة الدولرة الزائفة»، يقول ألبيرتو أكوستا إن الدولرة المترافقة مع تثبيت سعر الصرف الصارم، تدفع تدفقات رأس المال الداخلية الكبيرة إلى تعزيز استخدام الائتمان والطلب الداخلي على السلع، ما يشجّع الاستهلاك، وهو ما لا يفيد بالضرورة جميع السكان أو نظام الإنتاج (الذي عادة ما يكون ضعيفاً). وهذا يعني أنه يتعين على الإنتاج المحلي أن ينافس الواردات المتزايدة المنافسة. وعندما يتم الدفاع عن سعر صرف صارم للغاية في مواجهة عجز الحساب الجاري أو هروب رأس المال، تكون النتيجة زيادة في أسعار الفائدة، بهدف إيقاف هروب رأس المال، فيدخل الاقتصاد في مرحلة انكماش.
هذا كلّه يجعل سلع الدول ذات العملات الأضعف، أرخص من أسعار السلع المُنتجة محلّياً. وهذا يشكّل ميزة للمستهلكين في الاقتصاد المدولر تكمن في ارتفاع قدراتهم الشرائية. إلا أن هذه الميزة تقوّض، بشكل خطير، قدرة نظام الإنتاج في البلاد على المنافسة.
ويضيف أكوستا: فيما الدولرة المصحوبة مع تثبيت سعر صرف العملة المحلّية، تدفع نحو استقرار الأسعار ــــ بعد التضخم الشديد ــــ إلاّ أنّ هذا لا ينعكس استقراراً على الاقتصاد الكليّ.

ولكن كيف ينعكس هذا الأمر بشكل سلبي على الاقتصاد؟
كذلك، يشرح روس هاليرين، في بحثه «تأثير الدولرة ومجالس العملة على الدخل والتضخم»، أنّه في ظل أسعار الصرف الثابتة لا يمكن الاقتصاد التكيّف مع الصدمات إلا في سوق العمل في ظل، فإمّا ينعكس تغيرات في البطالة أو في الأجور، أو في كليهما. وسط عدم القدرة على التلاعب بسعر الصرف الرسميّ لاستيعاب ارتفاع الأكلاف الناتج من الصدمات، يستهلك انخفاض سعر صرف العملة المحليّة هذه الزيادة، وتجد الشركات نفسها مضطّرة إلى التكيّف مع الصدمة فتلجأ إلى خفض الأجور أو خفض عدد الموظّفين، ما يؤدّي إلى ارتفاع قياسي في معدلات البطالة.
ويشير أكوستا إلى أنه حتى في الحالات التي يمكن أن يرتفع فيها عدد الوظائف، فإن الكثير منها لا يتطلّب مهارة وليس هناك سبب لتوقع ارتفاع مداخيل العمال الحقيقيّة. فنجد أنّه فيما تكون الأرباح الحقيقية مستقرّة بالدولار، فإن أجور العمال غير المهرة، وهم يمثّلون غالبية السكان الناشطين اقتصادياً، في مستويات تأمين القوت. أما نظام الإنتاج، فسيكون في حالة عدم تجانس هيكلي، وتتركّز زيادة الإنتاجية في بعض قطاعات الاقتصاد التي يعدّ معظمها حديثاً بفضل الاستيراد المكثّف للتكنولوجيا الحديثة ويوظّف الكثير منها عدداً قليلاً من العمّال على حساب تضرّر قطاعات الإنتاج التقليدية. وهذه الأخيرة ستخلق وظائف منخفضة المهارات يتقاضى شاغلوها أجوراً متدنية، فينخفض مستوى الأمان فيها. ويخلص أكوستا إلى أنّ هذه الحال قائمة منذ بداية العمل بالنيوليبراليّة التي فاقمت الفروقات في الإنتاجية بين القطاعات الحديثة والتقليدية، ما يعمّق جذور التخلّف التنمويّ.

رشوة في لبنان
إذا محّصنا في ما سبق ذكره، نجد أنّ السياق اللبناني في العقد الأوّل من الحريريّة السياسيّة، مطابق بشكل تامّ لسياقات الدولرة المترافقة مع تثبيت سعر صرف العملة المحليّة. فالقدرة الشرائيّة التكافؤية للبنانيين ارتفعت بشكل قياسيّ خلال عقد (تقريباً 400%)، واستمرتّ بالارتفاع، ولو بنسب متفاوتة في العقدين التاليين. في المقابل، إن القطاعات الإنتاجيّة كانت تُمَزّق بشكل جماعيّ ويزداد الإنتاج انزياحاً بشكل غير سليم باتجاه قطاعات محدّدة بعيداً عن الأخرى. فقد شهدنا ازدهاراً في قطاع البناء الذي يتطلّب قليلاً من العمالة الماهرة وكثيراً من العمالة غير الماهرة، وقطاع المصارف الذي يوظّف أعداداً محدودة من الوظائف، يتضخّم بشكل غير طبيعي.
إذاً، كيف يمكن للشعوب أن تسمح بإمرار هذه السياسات، وكيف يمكن للسياسيين أن يستعملوا هذا السياق في خدمة أهدافهم؟ يقول جيف فرايدن في بحثه «الدولرة ومآزق أخرى»، إن العوامل الانتخابية يمكن أن تؤثّر على سياسات سعر الصرف لتكتسب الحكومة شعبية من المستهلكين من خلال عملة قويّة (بشكل اصطناعيّ)، ما يزيد من الدخل المحلي. الطبقة الوسطى على وجه الخصوص، تستفيد من العملة المحليّة القوية لشراء السلع الاستهلاكية المستوردة، مثل أجهزة التلفزيون والسيارات وغيرها، بأسعار رخيصة شكليّاً. ومع اقتراب الانتخابات، تسمح الحكومات، في كثير من الأحيان، بتعزيز العملة لزيادة القوة الشرائية للناخبين رغم أنه سيتعين في النهاية خفض قيمتها. لكن هذه الزيادة المؤقتة في دخل المستهلك قد تساعد في إعادة انتخاب الحكومات، فيما تعمل على زعزعة استقرار الاقتصادات.
وبشكل أساسي، كانت هذه السياسات سبب الشعبية الكبيرة في التسعينيات للرئيس رفيق الحريري، إلا أنه لم يعمل على تحرير سعر صرف الليرة اللبنانيّة. هذا الأمر لم يكن خطأ تقنيّاً، لأن سياسات الحريريّة السياسيّة نيوليبراليّة خالصة. فبحسب أكوستا، هذه النيوليبراليّة ستؤدّي حتماً إلى الاختلال في الإنتاج بين القطاعات والتخلّف التنموي؛ فكيف السبيل للحفاظ على الشعبيّة في وجه تبعات هذه السياسات؟

القدرة الشرائيّة التكافؤية للبنانيين ارتفعت 400% في التسعينيات وأعمتهم عن حقيقة التدمير الممنهج للإنتاج والتآكل التدريجي للطبقة الوسطى المقيمة


نحن كلّنا شهود على أنّنا تحوّلنا إلى مجتمع مستهلك يستورد الجزء الأضخم من استهلاكه، ليس لأنّه لا يملك القدرات والمهارات والتقنيّة التي تزيد الإنتاج، بل لأن كلفة الإنتاج المحلّي تفوق كلفة الاستيراد وتحوّل سوق العمل فيه إلى سوق لليد العاملة غير الماهرة، ما يدفع العمال المهرة إلى الهجرة الاقتصادية بحثاً عن وظائف ضمن اختصاصاتهم. وما لا نلاحظه بشكل دائم، هو ارتفاع دخلنا ومعه قدرتنا الشرائيّة، إلى درجات غير حقيقيّة، وبشكل متواصل على مدى ثلاثة عقود. عملياً، هذه الزيادة، كما يقول فرايدن، كانت رشوة. رشوة للسكوت عن التبعات الكارثيّة للسياسات الاقتصادية والمالية للحريريّة السياسيّة. رشوة، مرّت على معظم اللبنانيين من دون التنبّه إلى طبيعتها. فبالنهاية، مَنْ مِن هؤلاء الخارجين من حرب طاحنة سيرفض القدرة على الاستهلاك وكأنّه في بلد من العالم الأوّل؟

لا للغواية مجدّداً
هذا المستوى العالي من القدرة الاستهلاكيّة أعمى اللبنانيين عن حقيقة التدمير الممنهج للإنتاج في لبنان، والتخلّف التنمويّ، والتآكل التدريجي للطبقة الوسطى المقيمة في البلد. هذا المستوى من الاستهلاك غير طبيعيّ في بلد غير منتج.
الجزء الأكبر من اللبنانيين يكافح اليوم ليحافظ على قدرته الشرائيّة وعلى مستوى استهلاكه المرتفع، والكثير من السياسيين يخافون على النموذج اللبناني من باب الخوف من ردّة الفعل الشعبية على انهيار القدرة الشرائيّة عند المواطن اللبنانيّ التي كانت كلفتها على الاقتصاد مرتفعة في التسعينيات وأصبحت اليوم كارثيّة. يجب أن يخرج من القوى السياسية اليوم مَنْ يصارح اللبنانيين عن قدراتهم الشرائيّة التي ميّزتهم عن محيطهم، بالإشارة إلى أنها كانت حالة مصطنعة تعبّر عن رشوة ولا تستند إلى أرض الواقع الاقتصاديّ، بل تعزى إلى المحافظة على اقتصاد مدولر وعلى سعر صرف ثابت لليرة بأكلاف ماليّة هائلة. وأيضاً يجب مصارحة اللبنانيين أنّ المواءمة بين الاستمرار بنموذج يدعم القدرة الشرائيّة بهذا المستوى وخلق اقتصاد صحّي لأولادهم ولهم من المستحيلات.
قد لا يتحمّل اللبنانيون مسؤولية ما تأسّس في التسعينيات وما تلاها، وصولاً إلى أزمتنا الحالية، ولكنّنا أصبحنا أكثر دراية اليوم. لذلك علينا ألا نقع في غواية القدرة الاستهلاكيّة العالية مجدّداً، وعلينا أن نهيّئ أنفسنا لرفض الرشوة المقبلة والتي ستؤدّي إلى إعادة الحياة لنموذج اقتصادي دمّر أي أثر تنمويّ شهده لبنان قبل الحرب الأهليّة، مع فارق وحيد هذه المرّة أنه سيكون أكثر وحشية وقسوة. علينا أن نرفض أي مسار من أولوياته إعادة قدرة استهلاك اللبنانيين إلى ما قبل 17 تشرين الأول 2019، فهذه ستكون رشوة جديدة.