للباحث جون ويكس كتابٌ لا يلتزم بالأرثوذوكسية الماركسية، وهو الذي كان ينشر تحليلات ماركسية متمكّنة للرأسمالية في سنوات الثمانينيات. في كتابه الجديد، "وهم الدّين: أن نعيش ضمن قدراتنا ومغالطات أخرى" يحاول ويكس أن يوجّه ضربة قاضية إلى الحجج الاقتصادية حول ضرورة سياسات التقشّف. ولكنه، في الوقت ذاته، يعتمد النظرة الكينزية التي تقول بأن مسبّب الأزمات في الرأسمالية هو "نقصٌ في الطلب الفعلي". يقول ويكس إنه من الممكن التغلب على مشكلة قلّة الطّلب أو تجنبها عبر الإنفاق الحكومي، وأن هذا ما جعل الرأسمالية تعمل بشكلٍ كفوء في الستينيات من القرن العشرين. أي أننا لو قمنا ببساطة بالتخلي عن سياسات التقشف، وعدنا الى النمط الكينزي من "إدارة الطلب" عبر الحكومة، فسيكون كل شيءٍ على ما يرام. ولكن النظرية الماركسية وتاريخ الأزمات في الرأسمالية المعاصرة يختلفان بشكلٍ كبير مع هذه الرؤية.

تتكرر هذه الرغبة في وضع ماركس في المربع نفسه مع كينز في كتاب جايمس كروتي الجديد "كينز ضدّ الرأسمالية: حجّة كينز الاقتصادية لصالح الليبرالية الاجتماعية". في هذا الكتاب، يزعم كروتي بأن كينز لم يكن محافظاً، بل كان اشتراكياً في الحقيقة، إن لم يكن اشتراكياً ثورياً على طريقة ماركس. "على عكس ما يعتقد الكثيرون، لم يسع كينز إلى انقاذ الرأسمالية من نفسها، بل آمن بأنها تحتاج إلى الاستبدال بصيغةٍ ليبرالية من الاشتراكية". في رأيي أن هذه الفرضية لا تصمد أمام الحقائق. هناك الكثير من الدلائل في كتابات كينز تثبت أنه كان يقف فعلاً مع نموذج "الرأسمالية التي تتم إدارتها"، وليس الاشتراكية ضمن أي تعريفٍ منطقي لها.
نجد في كتابٍ آخر تحليلاً للرأسمالية أقرب إلى التيار السائد، ولكنه جذري في الوقت نفسه. الخبير العالمي في شؤون اللامساواة على المستوى الدولي، برانكو ميلانوفيتش، يبدأ كتابه الجديد "الرأسمالية وحيدة" من منطلق أن الرأسمالية اليوم هي نظام كونيّ يمدّ أطرافه الى كل زاويةٍ في العالم، ليقصي كل أنماط الإنتاج الأخرى، مثل العبودية أو الإقطاع أو الاستبداد الآسيوي، الى أضيق الهوامش. ولكن الرأسمالية ليست نمط الإنتاج الوحيد المتبقي فحسب، بل هي أيضاً المستقبل الوحيد للبشرية. يفترض ميلانوفيتش وجود نموذجين فقط في المستقبل: "الرأسمالية الليبرالية"، أو الغرب الذي ينوء تحت ضغط اللامساواة والتطرّف الرأسمالي، و"الرأسمالية السياسية" كما تجسّدها الصين، والتي يزعم الكثيرون أنها أكثر فعّالية، ولكنها سلطوية وفاسدة ومعرّضة للاحتجاجات الاجتماعية.
في رأيي أن الثنائية التي يعقدها ميلانوفيتش بين "الديمقراطية الليبرالية" و"الرأسمالية السياسية" هي ثنائية خاطئة. ومصدر هذا الخطأ هو أن ميلانوفيتش ينطلق من فرضية ابتدائية (غير مثبتة) تلغي إلى الأبد إمكانية نظامٍ إنتاجي واجتماعي بديل، الاشتراكية تحديداً. في الحقيقة، فإن السياسات التي يقترحها ميلانوفيتش لخفض اللامساواة في الثروة والدخل في الاقتصادات الرأسمالية، أو للسماح للناس بترك بلادهم الفقيرة والهجرة إلى بلادٍ أكثر ثراء، تبدو تخيلاً لرأسمالية المستقبل لا يقل "يوتوبية" عن "اليوتوبيا الاشتراكية" التي يستبعدها المؤلف.
هناك أيضاً كتاب جديد لـ"النجم الأول" الجذري ضمن التيار السائد في علم الاقتصاد، توماس بيكيتي، وكتابه "رأس المال والإيديولوجيا". هذا الكتاب هو بمثابة استكمالٍ لعمله الأبرز من عام 2014: "رأس المال في القرن الـ21". هذا الكتاب هو أكبر حتى من كتاب بيكيتي السابق: 1200 صفحة تقريباً. في حين أن الكتاب الأول يقدم تنظيراً وإثباتات حول صعود اللامساواة، يحاول هذا الكتاب أن يشرح لماذا سُمح لهذا بالحصول في النصف الثاني من القرن العشرين. يقول بيكيتي إنه لا يرغب بما يسميه أكثر الناس "اشتراكية"، ولكنه يريد "أن يتغلب على الرأسمالية". هو لا يريد أن يلغي الملكية أو رأس المال، ولكنه يريد أن تصل ثمارها إلى النصف الأسفل من الشعب، وهم – حتى في الدول الثرية – لا يملكون الكثير. حتى نحقق ذلك، يقول بيكيتي، يجب أن نعود إلى المبادئ الاجتماعية-الديمقراطية التي نجحت بشكلٍ كبير في الستينيات من القرن العشرين.
المؤكد هو أن الدلائل على تصاعد اللامساواة في الثروة وفي المداخيل في كل الاقتصاديات الكبرى أصبحت كثيرة وواضحة. في كتابٍ جديد "انتصار الظلم: كيف يتجنب الأثرياء الضرائب وكيف نجعلهم يدفعون"، يقدم لنا الخبراء في مجال اللامساواة، غابرييل زوكمان وايمانويل سايز، بياناتٍ أكثر تحديثاً. الكتاب هو إدانة قاسية للنظام الضريبي الأميركي الذي، بدلاً من تقليص اللامساواة المتزايدة في الدخل والثروة في أميركا، يزيد من حدتها. كما مع بيكيتي فإن السياسات التي يقدمونها كحلول تتلخص في ضريبة ثروة على العقارات والأصول المالية. إنهم لا يقترحون سياسات أكثر جذرية لتأميم المصارف والشركات الكبرى، وقف الرواتب والحوافز الهائلة التي يتقاضاها كبار التنفيذيين، وإيقاف المضاربات الخطرة التي أركعت اقتصادات دول كاملة. بالنسبة إلى هؤلاء الكتاب، فإن استبدال النمط الرأسمالي للإنتاج ليس أمراً ضرورياً، كل ما يلزم هو إعادة توزيع للثروة والدخل التي ينتجها رأس المال. إنهِ طبقة البليونيرات عبر الضرائب، وليس عبر المصادرة.
تظل إعادة توزيع الدخل والثروة عبر ضرائب وتنظيمات الحكومة هي السياسة الأساسية التي يقترحها الجذريون في التيار السائد – وهم البديل عن الاقتراح الماركسي باستبدال نمط الإنتاج الرأسمالي. هذا هو أيضاً العنوان الذي يعتمده جوزيف ستيغليتز، الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد والاقتصادي الأول سابقاً في البنك الدولي، وهو أيضاً مستشار للقيادة اليسارية لحزب العمال البريطاني. يقف ستيغليتز إلى يسار التيار السائد في الاقتصاد اليوم. يُدعى كتابه الجديد "الشعب، السلطة، والأرباح: الرأسمالية التقدمية في عصر السّخط"، حيث يعلن بأنه "في وسعنا إنقاذ نظامنا الاقتصادي المعطوب من نفسه". المشكلة هنا ليست الرأسمالية، بل المصالح الخاصة المكرّسة، خاصة بين الاحتكاريين والمصرفيين. الحل هو في العودة إلى أيام "الرأسمالية المنسّقة" التي يؤمن ستيغليتز بأنها كانت موجودة في العصر الذهبي للخمسينيات والستينيات. هنا، يقوم بيكيتي بتكرار الرؤية المذكورة أعلاه لويكس وبيكيتي وميلانوفيتش وكروتي.
حتى نرجع إلى هذه "الرأسمالية التقدمية"، يقترح ستيغليتز تنظيمات جديدة، تفكيك "الاحتكارات"، ضرائب تصاعدية، اجتثاث الفساد وتطبيق حكم القانون في التجارة. ولكن ما الذي يمكن أن يدفع فئة الواحد بالمئة الأكثر ثراء ومالكي رأس المال للاقتناع بالتخلي عن أرباحهم أو تقليصها بغية الحصول على اقتصاد أكثر تساوياً أو نجاحاً؟ وكيف يمكن للتنظيمات والمزيد من المساواة أن تتعامل مع الكارثة الآتية التي هي الاحتباس الحراري، فيما الرأسمالية تراكم بلا حسابٍ وبلا اعتبارٍ لموارد الكوكب واستمراريته؟ برامج إعادة التوزيع لا تساعد في هذه المسائل. ولو أصبح الاقتصاد أكثر تساوياً، فهل هذا سيحميه من الأزمات المستقبلية التي تحصل عادة في ظل الرأسمالية أو من "كساد عظيم" في المستقبل؟ لم تتجنب الاقتصاديات التي تتمتع بقدرٍ أعلى من المساواة هذه النكسات في الماضي.
ننصح القراء بأن يحاولوا فهم طبيعة الرأسمالية الحديثة عبر قراءة متأنية لأفضل التحليلات الماركسية التي تمزج بين النظرية والدليل التجريبي. أحد هذه الأعمال هو نسخة تمت مراجعتها من جديد لكتاب "الليفياثان اللامرئي" لمؤلفه موراي سميث من جامعة بروك في أونتاريو، كندا. يحاول الكتاب أن يشرح كيف أن قانون القيمة لدى ماركس يقرر بشكلٍ غير مرئي حركة الأسواق في الرأسمالية الحديثة وهو، في الوقت ذاته، يشرح التكرّر المنتظم والمخرّب للأزمات في الإنتاج والاستثمار، والتي تؤذي بشكلٍ كبير حيوات الناس على مستوى العالم. هذا الكتاب هو عبارة عن دفاعٍ عميق (بالمعنى النظري والتجريبي) لقانون ماركس حول القيمة ومرافقه: قانون ماركس حول ميل معدّل الأرباح إلى الانخفاض.
كما يستنتج سميث: "الخلاصة البرنامجية الأساسية التي تخرج من تحليل ماركس هي أن الرأسمالية هي غير قابلة – في جوهرها – لتطور "تقدمي"، "خالٍ من الأزمات"، يجعل من المشروع الاشتراكي أمراً "غير ضروري". و فوق ذلك أن التحول الاشتراكي لا يمكن أن يحصل وفق عملية إصلاحٍ تدريجي ومرحلي. لا بد من تدمير الرأسمالية من جذورها قبل أن يكون هناك أملٌ في إعادة البناء الاجتماعي على قواعد مختلفة جذرياً – وعملية إعادة البناء هذه هي ضرورية لتأمين أفقٍ جديد للتقدّم البشري".