عندما عُيّن رياض سلامة حاكماً لمصرف لبنان في الأول من آب/ أغسطس عام 1993، لم تكن ميزانية البنك المركزي تتجاوز 70% من مجمل الناتج المحلّي. ومنذ ذلك الوقت، ارتفعت هذه الميزانية بوتيرة مستمرة لتبلغ نحو 250% في نهاية عام 2018، وأصبحت بذلك الميزانية الأضخم بين جميع البنوك المركزية في العالم. وهذا ليس مؤشراً جيّداً بكل المقاييس، ولا يعدّ من الأرقام القياسية التي يُحتفى بها، بل هو أحد التعبيرات المُقلقة على رسوخ المصالح المالية وهيمنتها على الاقتصاد اللبناني، واستنزافها الموارد من دون خلق أي ثروة، وزيادة اللامساواة في توزيع الدخل.

بالأرقام، وصلت ميزانية مصرف لبنان في نهاية شباط/ فبراير الماضي إلى نحو 145 مليار دولار، بزيادة نسبتها 232% عمّا كان عليه في نهاية عام 2010. ووفق بنود هذه الميزانية، ارتفعت ودائع المصارف التجارية في باب المطلوبات (الالتزامات والديون) من 39.5 مليار دولار إلى 124.5 مليار دولار، بزيادة نسبتها 315%. وفي باب الأصول، ارتفعت قروض مصرف لبنان إلى المصارف التجارية من 800 مليون دولار إلى 36.9 مليار دولار، بزيادة نسبتها 4612%، أي أكثر من 46 مرّة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت ديون مصرف لبنان إلى الحكومة من 11.7 مليار دولار إلى 31 مليار دولار، بزيادة نسبتها 265%.
في الحصيلة، باتت المصارف التجارية توظّف نحو 60% من مجمل أصولها في مصرف لبنان، وفي المقابل، بات مصرف لبنان يوظّف أكثر من ربع أصوله في المصارف التجارية نفسها، مُساهماً بنحو 14% من مطلوباتها. وبات يوظّف أيضاً أكثر من 21% من أصوله في سندات الدَّين الحكومية، مساهماً بأكثر من نصف دين الحكومة بالليرة، بالإضافة إلى نسبة غير مُعلنة من الدَّين بالعملات الأجنبية. وبالتالي، باتت المصارف التجارية تتقاضى ما لا يقل عن 6 مليارات دولار كإيرادات سنوية من توظيفاتها لدى مصرف لبنان، وتمثّل المصدر الأساسي لأرباحها المُتكرّرة وغير المُتكرّرة، في حين أن مصرف لبنان يتقاضى ما لا يقلّ عن ملياري دولار سنوياً كفوائد على توظيفاته في سندات الخزينة، ويستخدمها في تمويل جزء مهمّ من عمليّاته مع المصارف التجارية على حساب دافعي الضرائب، وتمثّل هذه القيمة ثلث خدمة الدَّين العام المدفوعة من الموازنة العامّة، التي تعدّ السبب الرئيس لتنامي العجز المالي.
ماذا تعني هذه الأرقام؟ ولماذا هي مهمّة في سياق الحديث عن الأزمة التي يواجهها المجتمع اللبناني اليوم؟
في كتابه الشهير «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، يقدّم توماس بيكيتي شرحاً مبسّطاً لما تقوم به البنوك المركزية في الواقع الملموس. يقول: «من المهمّ أوّلاً أن نعرف أن البنوك المركزية في حدّ ذاتها لا تخلق الثروات، هي فقط تعيد توزيع الثروة. وبشكل أدقّ، عندما يقرّر البنك المركزي أن يخلق مليار دولار إضافية، من الخطأ أن نتخيّل أن رأس المال القومي يزيد بالقدر نفسه. في الحقيقة، لا يزيد رأس المال القومي حتى بدولار واحد، لأن العمليّات التي يقوم بها البنك المركزي دائماً تكون عمليّات إقراض. وهي تؤدّي بحكم التعريف إلى خلق أصول وخصوم مالية يعوّض بعضها بعضاً تماماً في اللحظة التي تطرح فيها».
لنأخذ على سبيل المثال عمليّات الهندسات المالية التي يقوم بها مصرف لبنان مع المصارف التجارية، التي أدّت إلى تضخيم حجمه وميزانيته، فهو بحجّة المحافظة على سعر صرف الليرة الثابت إزاء الدولار، يسعى للاحتفاظ بكمّية كبيرة من الدولارات في موجوداته، ويعمل على إغراء هذه المصارف بأرباح استثنائية عالية لجذب الدولارات وتوظيفها لديه. ففي مقابل كل دولار يحصل عليه مصرف لبنان من المصارف، يمنح هذه المصارف تسليفات بالليرة تساوي 125% من قيمة هذا الدولار بفائدة متدنّية نسبتها 2% فقط، أي إنه يطبع العملة عبر خلق هذه التسليفات، وبالتالي يرفع أصوله بهذه القيمة، ويرفع في المقابل مطلوبات المصارف بالقيمة نفسها، فتتضخّم ميزانيته وميزانية المصارف معاً. لكن هذه التسليفات بالليرة في حال بقائها لدى المصارف واضطرت إلى توظيفها في الاقتصاد سترتدّ على مصرف لبنان طلباً إضافياً على الدولار، وستؤدّي إلى نتائج عكسية لما يرمي إليه، لذلك يقترض في اللحظة نفسها الليرات التي سلّفها للمصارف بفائدة 2% بفائدة أعلى بكثير نسبتها 10.5% على مدى 10 سنوات، فتزداد مطلوباته وأصول المصارف بالقيمة نفسها مجدّداً، وتتضخّم ميزانياتهما معاً أيضاً وأيضاً، وتحقّق المصارف المزيد من الأرباح المجانية من دون أن تخلق شيئاً في المقابل، لا ثروة ولا عمل ولا إنتاج ولا من يحزنون.
لقد كشفت عملية Netting قام بها مصرف لبنان أخيراً، حجم طبع الليرات التي يقوم بها. إذ أجرى مقاصّة بين القروض بالليرة التي يمنحها للمصارف وتوظيفات هذه المصارف بالليرة لديه، والتي نتجت وتنتج من عمليّات الهندسة المالية الجارية بينه وبين المصارف، والتي تكثّفت وتضخّمت كثيراً منذ عام 2016. أدّت هذه العملية إلى خفض قيمة القروض الممنوحة من مصرف لبنان للمصارف المُسجّلة في الميزانية نحو 21.6 مليار دولار، من 36.9 مليار دولار كانت تظهر في موجز الميزانية في نهاية شباط/ فبراير إلى 15.3 مليار دولار ظهرت في موجز الميزانية في منتصف آذار/ مارس. وأدّت هذه العملية أيضاً إلى تخفيض قيمة ودائع المصارف لدى مصرف لبنان المُسجّلة في الميزانية نحو 21.3 مليار دولار، من 124.5 مليار دولار إلى 103.2 مليارات دولار في الفترة نفسها. وانعكس ذلك تخفيضاً في مجمل ميزانية مصرف لبنان من 145.2 مليار دولار إلى 124.01 مليار دولار، وهكذا اختفى فجأة نحو 21.2 مليار دولار، تبخّرت من الميزانية، ولكن أرباحها التي تحقّقها المصارف لم تتبخر، بل لا تزال تتضخّم باطراد.
يقول بيكيتي في هذا الصدد: «قد يكون من المدهش إذا تمكّنت البنوك المركزية بشحطة قلم بسيطة أن تزيد من رأس مال بلادها والكون كلّه في اللحظة نفسها، الأمر كله يعتمد فيما بعد على أثر تلك السياسة النقدية على الاقتصاد الحقيقي. إذا كان القرض الممنوح من البنك المركزي يسمح للمجتمع المعني بأن يخرج من عثرة، وأن يتفادى بذلك إفلاساً محقّقاً (إفلاس قد يؤدّي إلى نقصان رأس المال القومي)، فإن ذلك قد يمكّننا من القول، بعد أن يستقر الوضع ويُسدَّد القرض، إن قرض البنك المركزي قد سمح بزيادة الثروة القومية (أو على الأقل حال دون نقصانها). وبالعكس، إذا لم يؤدِ القرض إلّا إلى تأجيل الإفلاس الذي لا مناص منه في المجتمع، يمكننا اعتبار أن تلك السياسة النقدية قد أدّت في النهاية إلى تخفيض الثروة القومية».
في مؤتمره الصحافي الأخير، اعتبر وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش، أنه «لا يمكن تصوّر إصلاح جدّي للمالية العامة لا يتضمّن إصلاحاً موازياً للسياسة النقدية». فبرأيه، «إن سياسة رفع أسعار الفائدة والهندسات المالية هي من الأسباب البارزة لرفع كلفة تمويل الدولة والاقتصاد». وبهذا المعنى، إن السياسة النقدية المُتّبعة في لبنان جزء من المشكلة لا الحل، ولا يجوز أن تبقى خارج أي بحث أو نقاش. ولذلك، ليس مفهوماً أن يجري التعامل مع ما قاله بطيش بهذه الخفّة التي تظهر عبر وسائل الإعلام.
ما قاله بطيش جاء ردّاً على تغريدات سلامة (في 22 آذار/ مارس الماضي)، فحاكم مصرف لبنان اعتبر ألا مشكلة في السياسة النقدية وإنّما المشكلة محصورة في حجم القطاع العام الذي يتوجّب تقليصه من دون أي «إصلاح» آخر، في حين أن بطيش، الآتي من العمل المصرفي، يعتبر أن حجم مصرف لبنان نفسه بات مشكلة، وبالتالي فإن استمرار تضخّمه يمكن أن يعطّل أي برنامج يهدف إلى خفض العجز في الموازنة والنهوض بالاقتصاد الحقيقي. لذلك اقترح بطيش إعادة النظر في السياسات والأدوات التي يستعملها مصرف لبنان، مع الالتزام التام بسياسة استقرار أسعار الصرف ولجم التضخّم، ولا سيّما لجهة تخفيض سعر الفائدة، إذ «إن تخفيض 1% يؤدّي إلى خفض الإنفاق العام 900 مليون دولار في العام الجاري». وكذلك إعادة النظر في القروض المدعومة وآلياتها المُعتمدة. إذ «ليس مقبولاً أن يتمّ استغلال بعض هذه القروض بعيداً من أهدافها الاقتصادية المُحدّدة (...) ولا يجوز أن يبقى الدعم مشتّتاً واستنسابياً، ولا يجوز أيضاً أن يبقى من الأسرار، خلافاً للأصول التي ينصّ عليها قانون المحاسبة العمومية».
ليس مستغرباً أن لا يعجب هذا الكلام سلامة وجميع الذين يحقّقون الأرباح من طبع العملة وخلق التسليفات المدعومة، ومن بين هؤلاء المستفيدين وسائل إعلام معروفة.
لقد خلقت الهندسات المالية «وحشاً نقدياً»، وحان وقت ترويضه.