قد تكون المخاطر التي يواجهها المجتمع اللبناني غير محسوسة بالكامل بعد، ولكنها مخاطر جدّية، قائمة بالفعل، وقد بلغت مستويات غير مسبوقة، أقلّه في ربع القرن الأخير بعد نهاية الحرب. فكل المؤشرات المتداولة تشي بأننا في خضمّ أزمة عارمة تصيب النظام السياسي القائم، وتهدّد بانهيار وشيك لنموذجه الاقتصادي وآليات عمله وتمويله.

انطلاقاً من هذه المخاطر، تبدو تظاهرة الحزب الشيوعي اللبناني، أمس، خطوة في الاتجاه الصحيح، بمعزل عن أي ملاحظات عليها وعلى مطالبها وشعاراتها والمشاركين فيها. فالعودة إلى الشارع مطلوبة بإلحاح، ولكن بشرط أن تكون عودة فعلية، لا مجرد استعراض، وأن تكون أداة من أدوات العمل لتزخيم المواجهات وتصعيدها وبناء التحالف العريض، الذي دعا إليه الأمين العام للحزب حنّا غريب، في كلمته قبل انفضاض المتظاهرين، "حتى لا تبقى إدارة الأزمة محصورة في تحالف القوى المتنفذة داخل السلطة وكبار الرأسماليين، فيدفع شعبنا الثمن". وهذه المهمة ليست سهلة وتحتاج إلى برنامج عمل جديد قادر على استقطاب أصحاب المصلحة على اختلافاتهم ومواقعهم السياسية والاجتماعية.
لقد بُذل جهد كبير لإيهامنا أن المخاطر محصورة بسعر صرف الليرة، وبالتالي علينا بذل المزيد من التضحيات والتنازلات وتحمّل المزيد من الخسائر والأكلاف من أجل تفادي التضخم الآتي، الذي سيطيح ما بقي من قدرات شرائية لشرائح واسعة من الطبقات الوسطى والفقيرة. ولكن هل الأزمة هي أزمة سعر الصرف فقط؟
يجري التعامل مع الأزمة القائمة بمعزل عن سياقها التاريخي، وكأنها أزمة ظرفية لا تحتاج إلا إلى بعض التدخلات والهندسات المالية لتصويب المسار. ويجري التعبير عن قناعة أن الأسباب لا تكمن في النموذج الاقتصادي وكيفية تطوّره والنتائج التي ترتبت عنه، بل تتصل بعوامل متدخّلة فيه وأسباب خارجة عنه. وغالباً ما تُصنّف العوامل المرتبطة بالتحويلات الخارجية والعجز التجاري وأسعار النفط باعتبارها عوامل خارجية وغير خاضعة للتحكّم، وهذا تصنيف غريب في نموذج يخضع بدرجة كبيرة لهذا النوع من العوامل تحديداً، لذلك بدا واضحاً أن أصحاب القرار غير مستعدين للخوض في أي مقاربة أخرى لنموذج بديل، وهم على استعداد للإمعان في شراء الوقت بأثمان باهظة وعلى حسابنا دائماً من أجل أن يكسبوا المزيد من الأرباح قبل أن تحلّ الكارثة وينهار الهيكل فوق رؤوس الجميع.
تغذّى النموذج الاقتصادي اللبناني طوال الفترة الماضية من الريوع النفطية وتدفقات الهجرة والتحويلات المالية. ولعبت خيارات السياسات المعتمدة لمصلحة الارتهان أكثر لهذه التدفقات، حتى أصبحت العامل الرئيس المحدد للنشاط الاقتصادي، لكنها فشلت في تعزيز نموّ مستقر على المدى الطويل، كذلك فشلت في خلق بنى اقتصادية منتجة وقادرة على خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة العام. وتحوّل الدين العام إلى القناة الرئيسة لاستمرار النموذج برمته، فالدين العام ليس طارئاً يمكن استئصاله دون كسر النموذج الذي خلقه.
هذه هي المعركة التي يجب خوضها في الشارع، معركة كسر النموذج، وفي هذا الإطار، تمثل سياسات إعادة التوزيع محور هذه المعركة وهدفها، فلا يمكن الدولة القيام بوظيفتها من دون أنظمة ضريبية عادلة تحقق التوازنات المطلوبة وتجعل الاقتصاد يعمل لمصلحة الناس، لا لمصلحة النخب «الأوليغارشية» المتحكمة بالسلطة والمال.