أغرب الردود على التحذيرات الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبعض التقارير المنشورة في الصحافة المحلية والغربية، ليست تلك التي تنفي وجود المخاطر النقدية من الأساس وتدافع عن الإجراءات التي يتخذها مصرف لبنان على العمياني، بل تلك الردود التي تقرّ بوجود «أزمة» أكبر وأعمق وأخطر من التي يجري الحديث عنها، ولكنها تعتبرها «أزمة» قديمة وليست مستجدة، وبالتالي تراهن على «خيبة» التوقعات الحالية بالانهيار كما خابت التوقعات السابقة، وتدعو للاطمئنان إلى ثبات سعر صرف الليرة وسط المعمعة.

تميل هذه الردود الغريبة إلى تبني «نظريات المؤامرة»، وتتماهى مع خطاب رسمي يشيعه الإعلام، وهو يقدّم المسؤولين عن نشوء الأزمة بوصفهم أبطالاً أسطوريين يواجهون القوى الشريرة ويمنعون تدمير الاستقرار وإشاعة الفوضى والقضاء على أي مناعة داخلية. إلا أن غرابة هذه الردود لا تكمن في هذه الطريقة المعروفة للتملّص من المسؤولية، بل في أنها تبني التحليل على قاعدة أن «الأزمة» تبقى ثابتة لا تتحرك، لا تكبر ولا تصغر ولا تتراكم ولا تترك أي تداعيات. لذلك تدعونا هذه الردود إلى عدم القلق، فنحن نعرف «الأزمة» ولا نحتاج إلى من يخبرنا بوجودها، لذلك، علينا التعامل مع كل ما يقال عن مخاطر سعر الصرف والتضخم ورفع أسعار الفائدة وكلفة الدين العام والعجز المالي وعجز ميزان المدفوعات الخارجية وركود النمو الاقتصادي وعدم سلامة القطاع المالي... بوصفها كلّها أكاذيب، يجري ترويجها لغاية في نفس يعقوب.
حسناً، بمعزل عن الاختلافات في تشخيص الأزمة، فالواضح جيداً أنها ما انفكت تتراكم منذ زمن بعيد، وهي أزمة بنيوية خالصة تكمن في النموذج الاقتصادي القائم ونظامه السياسي- النقدي الذي أرسي بعد نهاية الحرب الأهلية واستمر حتى الآن. هذا صحيح، والجدل الذي رافق نشوء الأزمة هو قديم واستمر بدوره. ولكن، كما في كل مرحلة من مراحل تطورها، تتخذ «الأزمة» منحى يزيد من المخاطر ويجعلها ضاغطة أكثر من السابق ويفرض مواجهتها بإلحاح قبل أن تنفجر وترتب المزيد من الخسائر والأكلاف.
بمعنى أوضح، أن «الأزمة» ليست ثابتة أو جامدة في مكانها بل هي تتحرك وتتقدم إلى الأمام، وبالتالي، إذا نجح مصرف لبنان في السابق بشراء الوقت لتأجيل انفجارها، فهذا لا يعني أبداً أنه قادر دائماً على النجاح بذلك.
يوجد حالياً 3 عوامل أساسية لم تكن موجودة بهذه الحدّة في السابق، وبالتالي هي التي تدفع إلى التحذيرات المستجدة وتعزز التوقعات المتشائمة:
1- في عام 2015، قدّرت البعثة المشتركة من صندوق النقد والبنك الدوليين لتقييم أوضاع القطاع المالي في لبنان، أن الاحتياطي الصافي بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان كان في ذاك العام سلبياً، أي في حالة عجز، بقيمة تصل إلى 4.7 مليار دولار، أي أن البنك المركزي كان لا يمتلك أي احتياطات خاصة بالعملات الأجنبية، وإنما هو مديون للمصارف بهذه القيمة، وكل ما يملكه من عملات أجنبية هو في الواقع بمثابة «مصادرة» موصوفة للودائع بالدولار.
رفض مصرف لبنان في حينه نشر هذه التقديرات، كما شن هجوماً لاحقاً على الاقتصادي توفيق كسبار الذي أعدّ ورقة أشار فيها إلى أن الاحتياطي الصافي استمر بالتدهور، وسجّل عجزاً بقيمة 12.8 مليار دولار في حزيران/ يونيو 2017، وبقيمة 1.3 مليار دولار إذا تم احتساب الذهب مع العملات الأجنبية. وفق آخر الإحصاءات، يظهر أن التدهور متواصل، فقد بلغ الاحتياطي الصافي السلبي نحو 19.7 مليار دولار في تموز/ يوليو الماضي، في حال الاعتماد على المنهجية الجديدة المعدّلة لاحتساب صافي الموجودات الخارجية التي اعتمدها مصرف لبنان اعتباراً من تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، والتي بات يدخل فيها سندات اليوروبوندز، أمّا إذا تم الاعتماد على المنهجية السابقة فإن العجز الفعلي يقدّر بنحو 23 مليار دولار.
تفيد هذه الإحصاءات بأن مجمل موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية بلغت في تموز/ يوليو الماضي نحو 43.5 مليار دولار، في حين أن المصارف التجارية توظّف لديه نحو 63.2 مليار دولار بالعملات الأجنبية (غير التوظيفات بالليرة البالغة نحو 59 مليار دولار). وهذا لا يكشف فقط قيمة العجز في الاحتياطي الصافي بالعملات الأجنبية، بل يكشف أيضاً حجم المديونية بالعملات الأجنبية المترتبة على مصرف لبنان والتي تجبره على تسديد فوائد بالدولار إلى المصارف (من دون الفوائد بالليرة) بقيمة تتجاوز 4 مليارات دولار سنوياً. أي أن عليه تأمين هذه الكمية من الدولارات سنوياً لخدمة ديونه فقط، يضاف إليها طبعاً خدمة ديون الحكومة (سندات اليوروبوندز) وحاجات إنفاقها الضروري بالعملات الأجنبية، لا سيما استيراد النفط والقمح وسوى ذلك.
2- وفق المنهجية الجديدة المعتمدة من مصرف لبنان لاحتساب صافي الموجودات الخارجية، سجّل ميزان المدفوعات عجزاً تراكمياً بقيمة 1.3 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام. ووفق المنهجية السابقة، قدّر بنك «لبنان والمهجر» العجز في ميزان المدفوعات بقيمة 3.3 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى.
يعدّ العجز في ميزان المدفوعات ظاهرة جديدة طرأت على الأزمة، إذ للمرّة الأولى في تاريخ لبنان سجّل هذا الميزان عجوزات سنوية متراكمة ومتتالية منذ عام 2011 (ما عدا فائض لسنة واحدة فقط في عام 2016 نتيجة الهندسة المالية الكبيرة). ووفق تقديرات بنك «لبنان والمهجر» بلغ العجز المتراكم في هذه السنوات (من 2011 إلى تموز/ يوليو 2018) نحو 13.3 مليار دولار. أي أن كمية الدولارات التي خرجت من لبنان في هذه الفترة كانت أكبر بهذه القيمة من كمية الدولارات التي دخلت إليه.
يشير تقرير بنك «عودة» عن الفصل الثالث من هذا العام إلى أن التدفقات المالية الوافدة بلغت في الأشهر الثمانية الأولى نحو 10.6 مليار دولار، إلا أن العجز التجاري بلغ في الفترة نفسها نحو 11.7 مليار دولار. ووفق تقرير نشرته «الأخبار» (ملحق رأس المال- 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2018) يظهر أن هذا المنحى هو مستمر ومتمادي، ففي حين كانت التدفقات الخارجية الوافدة أكبر من العجز التجاري في الفترة من 1993 إلى 2010 (163.4 مليار دولار في مقابل 135 مليار دولار). انقلب الاتجاه في الفترة من 2011 إلى 2018، إذ باتت التدفقات (117.8 مليار دولار) أدنى من العجز التجاري (126.4 مليار دولار)، ولم تعد التدفقات تموّل العجز التجاري، وبالتالي باتت هناك مشكلة جدية في استنزاف موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية وزيادة الضغوط على سعر صرف الليرة.
3- إن الحاجة إلى المزيد من الدولارات دفع مصرف لبنان إلى رفع أسعار الفائدة في السوق، وهو يضغط لرفع الفائدة على سندات الخزينة بالليرة وبالدولار، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى زيادة كلفة مدفوعات الفائدة (خدمة الدين العام) بصورة أكثر خطورة من الآن. ووفق تقرير أعدّته «الأخبار» بمساعدة خبراء معنيين (ملحق رأس المال- 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2018) يتبين أن مدفوعات الفائدة من الموازنة العامة قد تتجاوز قيمتها بعد 5 سنوات 20 مليار دولار، وستستنزف كل إيرادات الدولة وسيتجاوز الدين العام الحكومي (من دون ديون مصرف لبنان والمؤسسات العامة الأخرى) نسبة 215% من مجمل الناتج المحلي.
هذه العوامل الثلاثة كانت موجودة دائماً بأشكال ومظاهر مختلفة ومتنوعة، ولكنها تتخذ اليوم منحى خطيراً، ولا تمتلك السياسة النقدية المعتمدة أجوبة واضحة على كيفية التعامل معها. وبالتالي، هذا ما دفع البنك الدولي وغيره إلى التحذير من أن المخاطر ترتفع بشكل حاد، «في ظل اجتماع عدد من العوامل المحلية والعالمية السلبية، بما في ذلك الظروف النقدية العالمية»، وأن «بعض الأدوات»، التي يستخدمها البنك المركزي، استنفدت ولم تعد تجدي بعد سنوات من استخدامها في مواجهة هذه المخاطر ومنع المضاربات على سعر صرف الليرة.