في مطلع كانون الثاني من العام الحالي، أعلن وزير الاقتصاد التعاقد مع شركة «ماكِنزي» الاستشاريّة، لمدّة ستة أشهر، بهدف تقديم خطّة لإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني وتنشيطه. لم يثر الخبر، في حينه، الكثير من ردود الفعل، خصوصاً عند الأخذ بالاعتبار أن قيمة العقد كانت متدنية (قياساً على أجور الشركة المعتادة ولما اعتاده اللبنانيون من تكاليف العقود الاستشارية للدولة)، إذ أُعلن أنها مليون ومئتا ألف دولار. ومع بداية الشهر الحالي عادت الأضواء لتُسلَّط على الخطّة، بعد إعلان عرضها على رئيس الجمهورية. نحن هنا لن نناقش ما تسرّب من المرتكزات التي خلصت إليه «ماكِنزي» لتحفيز اقتصادنا، بل سنتطرّق إلى ثلاثة أسئلة، ستساعد الإجابة عنها اللبنانيين على استيعاب مدى جدّية خطّة كلّفت الخزينة اللبنانية القليل من المال و«ماكِنزي» القليل من الوقت.

(آريس ـ كوبا)

عندما نتحدّث عن «ماكِنزي»، فنحن نتناول إحدى كبرى الشركات الاستشارية في العالم. شركة ــ كما يشرح داف مكدونالد في كتابه بعنوان «الشركة» ــ أسهمت في تطوير وإعادة تنظيم تكتلات الشركات العملاقة في الولايات المتحدة، وكانت المساهم الرئيسي في إعادة تنظيم نمط الإدارة في الشركات الأوروبية، في العقدين اللذين تليا الحرب العالمية الثانية. شركة مسؤولة في شكل كبير عن وضع القواعد الإدارية في النصف الثاني من القرن الماضي. ولكن ليست كل تجارب «ماكِنزي» مما حقّق نجاحاً باهراً، بعضها أدّى إلى خسائر كبيرة، والبعض الآخر دفعها إلى الابتعاد عن العمل في القطاع العام لأربعة عقود حتى بدايات القرن الحالي. وهذا ما يدفعنا إلى محاولة وضع أسس استيعاب أبعاد الخطة التي وضعتها للبنان قبل أن نتبنّاها، من المستويات السياسية والإدارية العليا في الدولة، وصولاً إلى الرأي العام.

عقد واحد أم موطئ قدم
أول الأسئلة التي يجب طرحها هي عن المدى الزمني لعمل الشركة منذ البدء بتنفيذ الخطّة. والسبب أن للشركة سياسة تتّبعها، وتطلق عليها «العلاقة التحويلية»، عادة ما تنتج منها علاقة طويلة الأمد بين الزبون و«ماكنزي». يشرح مكدونالد هذه العلاقة بأنها علاقة تبعية ناتجة من الاعتماد لمدد طويلة على استشاريين تابعين للشركة، حيث تدخل الشركة إلى المؤسّسة تحت عنوان محدّد، ولكن سرعان ما تجد المزيد من الأبواب للبقاء.
«ماكنزي»، كما يقول مكدونالد، تبيع زبائنها ما ترى أنهم يريدون شراءه، حيثما يريدون شراءه. ويوضّح أنه في المحصّلة لن ينتج الكثير من الاستفادة الزائدة من هذه المدة المطوّلة من التعاون، المدفوع الثمن طبعاً، مع «ماكنزي». ومجرّد أن قيمة العقد منخفضة، يجب أن تدفعنا إلى التساؤل إن كان الهدف منه فتح المزيد من فرص التعاون بين الدولة اللبنانية و«ماكنزي»، بعقود أكبر لمشاريع أكبر، خصوصاً أن الكثير من قطاعات الدولة ومؤسّساتها تشوبها الفوضى والمديونية، ما يشكّل فرصاً للشركة.

أين الوصفة السحرية؟
وما إن نحدّد المدى المعقول للتعاون مع الشركة بهدف تنفيذ هذه الخطّة، وإن كانت هنالك حاجة للتعاون المستقبلي لتنفيذها أساساً، علينا أن نسأل إن كان في ثناياها الوصفة شبه الدائمة للشركة، وهي اقتطاع الوظائف. يصف مكدونالد الشركة بأنّها الملجأ الأساسي للمديرين الذين يبحثون عن تبريرات للخفض القاسي للنفقات، الذي يكون عادة عبر «اقتطاع الوظائف» (طرد جماعي لأعداد كبيرة من الموظفين). ويقول إن «ماكنزي»، على الرغم من شبه استحالة القياس في شكل علمي، تُصنّف المسهّل والمشرّع الأول لعمليات الطرد الجماعي على امتداد العالم في التاريخ الحديث. وفي حالتنا هذه، ونحن نتحدّث عن وظائف القطاع العام، ممكن أن نشهد تقاطعاً في الأجندات بين الشركة والداعين إلى تنفيذ توصيات مؤتمر «سيدر» من إصلاح للإدارات اللبنانية على طريقة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (أي تصغير حجم القطاع العام). تقاطع قد يشكّل عامل ضغط يدفع نحو اقتطاع وظائف من القطاع العام، وربّما خصخصة الكثير من مؤسساته.

الفساد والمناعة
أما السؤال الثالث الذي يجب أن نبحث عن إجابته، فهو مدى مناعة الشركة أو الفريق الذي سيعمل على تنفيذ الخطة ضد الفساد؟
من نافل القول أن الفساد مستشرٍ في لبنان، وينخر كلّ مؤسّسات الدولة تقريباً، باستثناء ما ندر. في المقابل، وفي السنتين الأخيرتين، أظهرت «ماكنزي» أنها غير محصّنة ضد الفساد المستشري في الدول التي تستعين بخدماتها. ففي عام 2017 خرجت إلى العلن فضيحة فساد في «إسكوم»، الشركة الحكومية لإنتاج الكهرباء في جنوب أفريقيا، التي كانت تستعين بشركة «ماكنزي». ففي تحقيق بعنوان «كيف أضاعت مكنزي الطريق في جنوب أفريقيا»، نُشر في «نيويورك تايمز» في 26 حزيران/ يونيو الماضي، تحقيق يسرد فيه والت بوغدانيتش ومايكل فورسيث، مشاكل «إسكوم» من عدم قدرة على توفير تغذية دائمة ووقوعها في عجز مالي هائل وانعدام قدرتها على توفير الموارد اللازمة للصيانة.
تُصنّف مكنزي أنها المسهّل والمشرّع الأول لعمليّات الطرد الجماعي على امتداد العالم في التاريخ الحديث


في عام 2015 تعاقدت «إسكوم» مع «ماكنزي»، بهدف إخراج شركة الكهرباء من وضعها الراهن، آنذاك، فكانت قيمة العقد الذي أبرمته هي الأكبر في تاريخ عمل الشركة في أفريقيا، حيث كان من المتوقّع أن تصل قيمته إلى 700 مليون دولار أميركي. لكن تبيّن في ما بعد أن العقد الموقّع كان غير قانونيّ، إذ إنه كان يخالف قانون التعاقد في جنوب أفريقيا، وإن «ماكنزي» كانت قد وافقت على تلزيم شركة غير مؤهّلة من الباطن، من دون أن تقوم الأخيرة بأي عمل، ليتبيّن أنها مرتبطة بشبكة الفساد المحيطة بالرئيس السابق زوما، وأن ما دُفع لها كان أشبه برشوة.
وبالإضافة إلى كلّ هذا، كان ينصّ العقد الموقّع على تلقّي «ماكنزي» الأجر مقابل حصول «إسكوم» على نتائج واضحة وملموسة، لكن على الرغم من مرور سنتين على عمل «ماكنزي» وتلقّيها للدفعات، لم يتحسّن وضع «إسكوم» أبداً. وقد خلقت هذه الفضيحة أزمة علاقات عامة لـ«ماكنزي»، وفتحت أبواب التساؤل عن استعداد الشركة لدفع الرشى للحصول على العقود، وإن كانت قادرة على عزل نفسها عن منظومات الفساد المحيطة بالحكومات في الدول النامية.

البحث عن صورة شاملة
لا يمكننا كلبنانيين تجاهل البحث عن إجابات لهذه الأسئلة الثلاثة قبل أن نتبنّى أي خطّة تطرحها «ماكنزي». هل ستكون هذه الخطّة فاتحة للمزيد من العقود في قطاعات قد لا تكون الدولة اللبنانية بحاجة لمساعدة في إدارتها؟
هل سنجد أنفسنا في علاقة تبعيّة مع شركة استشارية عملاقة في الكثير من قطاعات الدولة؟ أم هي مجرد خطّة قُدّمت لمساعدة بلد متعثّر مقابل أجر زهيد؟
وهل سنرى تقاطعات مبدئيّة بين الخطّة والمطالبات الخارجية بالخصخصة وتصغير القطاع العام؟ وإن صحّ هذا، فما المصلحة الحقيقية لتصغير القطاع العام في لبنان؟
وهل ستتمكّن «ماكنزي» من عزل نفسها عن الفساد المستشري في لبنان أم ستنخرط فيه؟
وفي المقلب الآخر لهذه الأسئلة، لا يجب أن نخضع لأي محاولة ترهيب لفرض هذه الخطّة من دون التمحيص بها، ولا يجوز الخضوع من منطلق أن «ماكنزي» أفضل شركة استشارية في العالم أو تحت عنوان الحاجة للخطّة لتنفيذ ما يطلبه مانحو مؤتمر «سيدر» ودائنوه.