الانتقال من منطقة لبنانية إلى أخرى لا يعكس سوى صورة نمطية واحدة عن المجال العام. حيث يتمدّد العمران على طول خطوط الطرقات الرئيسة، ويتكدّس السكّان في مناطق مُحدّدة تعاني من تدهور كبير في البيئة وظروف السكّان والعمل، وتنعدم فيها الأرصفة والساحات والمساحات الخضراء، وتحتلّ الاستثمارات الخاصة الأملاك العامة، وهو ما يحوّل المناطق من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، إلى رقعة فوضوية تقطنها الشريحة العظمى من السكان، وتنطوي على حياة يشوّهها إمّا التلوّث أو الانفلاش العمراني أو فقدان مصدر الدخل أو خسارة ما.

هذه الفوضى العارمة ليست حالة عشوائية وليدة أمر واقع أفرزته الحرب اللبنانية كما يُروّج، بل هي النتيجة التي أسفر عنها تنظيم مُدني قائم على رؤية تُقصي الناس وتحرمهم من أبسط حقوقهم، ومدعوم بخطاب انطلق منذ الخمسينيات، يُغلّب الأنشطة العقارية والسياحية والخدمات عموماً، وهو نهج تطوّر خلال فترة إعادة الإعمار وتفاقمت آثاره، وما زال سارياً حتى اليوم.


في المبدأ، يُفترض أن يؤدّي التنظيم المدني وظيفة أساسية تقضي بتصنيف الأراضي عبر إصدار تصاميم توجيهية تضع الخطوط العامة لكيفية استعمال الأرض، وتصاميم أخرى تفصيلية تُحدّد قواعد هذه الاستعمالات، وهو يعرّف بأنه الوسيلة المُتاحة لتحديد الاتجاهات التنظيمية لكل منطقة، والأداة التي تستعملها الدولة لفرض معايير لضبط المصالح الخاصة وتقييدها بالمصلحة العامة، وتوجيه عمليات البناء بما يحافظ على التوازن بين مناطق العمران والمواقع الطبيعية والزراعية.
في لبنان، لا يؤدّي التنظيم المدني هذه الوظيفة لا بل يبتعد عنها، فبدلاً من استخدامه لتوفير حيّز عام لائق للعيش، ولإحقاق التوازن بين ملك عام مُباح وملك خاص «مقدّس» في الدستور، تحوّل إلى أداة لإنتاج الطبقية واللامساواة، عبر قوننة تصاميم تسمح باحتلال الأملاك العمومية لبناء المنتجعات السياحية، وتغيير تصنيفات الأراضي من زراعية وطبيعية ومحميّة إلى عمرانية تكريساً لمصالح المطوّرين العقاريين، وتعدّي على مشاعات إرضاءً لنافذين محليين، حارمة بذلك باقي المقيمين، وحتى الأجيال المُقبلة، من حقوق أساسية تتصل بحق السكن والعمل والبيئة واستدامة الموارد الطبيعية. ولم تكتفِ بذلك، بل حرصت أيضاً على خلق مربّعات طبقية، إذ نظّمت مناطق خاصة بالأغنياء مُشرفة وبعيدة من مصادر التلوّث، وحشرت عموم الناس في مربّعات ضيّقة ومخنوقة على مقربة من مصادر التلوث والأمراض وخطر الموت.
هذا الواقع المنظور بالعين المُجرّدة، توثّقه دراسة أعدّها «ستوديو أشغال عامة» بالتعاون مع «المفكّرة القانونية» تحت عنوان «العمران والقانون في لبنان: الأنظمة التوجيهية وتأثيرها على الحياة اليومية»، وتُبيّن أن نسبة المناطق غير المُنظّمة تبلغ نحو 81.3% من مجمل مساحة الأراضي اللبنانية، وهي نسبة عالية جداً تخضع لقانون البناء، وفق ما تشرح الباحثة المدينية عبير سقسوق، ما يجعلها «مناطق مُنكشفة على انفلاش عمراني خطير، إذ يمكن البناء على أي رقعة منها وفق الارتفاعات والشروط نفسها المنصوص عنها في قانون البناء، من دون أي تمييز لموقعها ومميزاتها وما تحتويه من موارد، وهو ما يحصل منذ عقود ويعكسه منظر العمران المترامي أينما كان وكيف ما كان».
إلّا أن الصورة الكاملة لفظاعة التنظيم المدني لا تنحصر بهذا المشهد غير المُنظّم، بل تمتدّ إلى ما يفترض أنه مُنظّم أيضاً! تبلغ نسبة المناطق المُنظّمة بالكامل نحو 14.4% من مجمل مساحة الأراضي اللبنانية، فيما تصل نسبة المناطق المُنظّمة جزئياً إلى 4.3%. تعيد الباحثة الحضرية مونيكا بصبوص هذه النسبة المتدنية إلى «فراغ تشريعي مُتعمّد أبقى على القسم الأكبر من الأراضي من دون أي تصميم، نتيجة سياسات مُمنهجة صبغت لبنان منذ الخمسينيات بهوية تبدّي الخدمات والعقارات والسياحة على غيرها من القطاعات، وتصبّ في مصلحة مالكي الأراضي وأصحاب المشاريع الاستثمارية والمطوّرين العقاريين على حساب المجتمع والاقتصاد والبيئة».
تقسّم بصبوص نوعية التنظيمات وفق المراحل التي صدرت فيها: «القسم الأكبر من مراسيم التصاميم التوجيهية صدرت قبل الحرب وشملت 82 منطقة، في مقابل 28 منطقة فقط في السنوات الـ15 التي تلتها، قبل أن يرتفع عددها إلى 50 منطقة منذ عام 2005، تاريخ تعديل قانون البناء الذي خفّض نسبة البناء المسموح بها من 40 إلى 25%، فجاءت هذه التصاميم للالتفاف على التعديل والإبقاء على الانفلاش العمراني. كذلك صدرت مراسيم التصاميم الجزئية التي تُخصّص لنشاط ما ضمن المنطقة أو لجزء منها، والمراسيم الاستثنائية التي تُعفي عقاراً أو مجموعة عقارات من أنظمة التصميم، لزيادة عامل الاستثمار أو تبديل التصنيفات خلافاً للتصميم التوجيهي أو لقانون البناء. أمّا القرارات التنظيمية الصادرة عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني فتكثّفت عمليات إصدارها بعد عام 2009 أي منذ صدور الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية التي تهدف إلى تحقيق الإنماء المتوازن بين المناطق وترشيد استغلال الموارد الطبيعية، وذلك بهدف رفع عوامل الاستثمار وتغيير تصنيفاتها».
للتواصل: [email protected]