باسم الشعب، أصدرت محكمة الاستئناف في جبل لبنان حكماً يحرم اللبنانية سميرة سويدان، المتزوجة بأجنبي، منح الجنسية لأولادها. الجلسة الأخيرة كانت قد عُقدت في 13 نيسان وأرجأت القاضية إصدار الحكم إلى يوم أمس. لم يُفاجأ أحد بالحكم القاضي بفسخ بنود الحكم الابتدائي


أليسار كرم
في السادس عشر من حزيران 2009، أصدرت محكمة الدرجة الأولى في جبل لبنان حكماً قضى بمنح الجنسية اللبنانية لأبناء سميرة سويدان، المتزوجة بأجنبي متوفى. قررت يومها محكمة جديدة المتن الناظرة في قضايا الأحوال الشخصية برئاسة القاضي جون القزي وعضوية القاضيتين رنا حبقا ولميس كزما اعتبار الأولاد القاصرين لسويدان لبنانيين، وقيدهم على خانة والدتهم في سجل الأحوال الشخصية، مانحة كلاً منهم بطاقة هوية لبنانية. غير أن هيئة القضايا في وزارة العدل، التي تمثل الدولة، استأنفت لاحقاً هذا الحكم باعتبار أنه مخالف للقوانين. يوم أمس الثلاثاء 18 أيار 2010 عُقدت جلسة الحكم التي أصدر خلالها القضاء، في جلسةٍ مقفلة، حكمه النهائي بحق سميرة سويدان، ومن خلالها، بحق الكثير من اللبنانيات المتزوجات بأجانب. حضرت فرق مكافحة الشغب وانتشرت القوى الأمنية في محيط القصر «منعاً لأي أعمال مخلة بالأمن» قد تقوم بها عشرات السيدات اللواتي تجمعن عفوياً من دون أي حشد مسبق لدعم سويدان معنوياً ولتأكيد أنها ليست وحدها.
خرجت سويدان من قاعة المحكمة محاطة بابنتيها فاتن وزينة. الوجوم الظاهر على وجوههن أبلغ جميع مؤيدي القضية ووسائل الإعلام بالنتيجة قبل أن يتفوهن بكلمة. لم تقنعهن الحجج التي استُند إليها، فرفعن أصواتهن بنبرة تشي بغضب كبير «القضاء يريد إرجاعنا قرناً كاملاً إلى الوراء. لماذا نستند إلى بنود قانون صادر في عام 1925، فيما لم يكن للمرأة أي دور في الشأن العام، ولم تكن تعمل وتظهر على شاشات التلفزة لتتحدث عن حقوقها؟ حينها لم يكن ممكناً أن تقوم قاضية محاطة بمستشاراتها أن تصدر حكماً بأي قضية!». رفضت فاتن الحديث إلى وسائل الإعلام، أما زينة فأصرت على مساندة والدتها التي وقفت تحت قوس العدالة ومعها وقف «نصف المجتمع» كما هو شائع عن المرأة. قالت: «نحن ولدنا هنا ونعيش ونعمل وندفع الضرائب هنا أيضاً، ننتج ما يفيد هذا البلد ويحرك عجلة الحياة فيه، فلم لا نُعَدّ لبنانيين؟(...) اليوم أثبتت الدولة اللبنانية، ومعها القضاء أن لا مساواة حقيقية بين المرأة والرجل في مجتمعنا ولا ديموقراطية حقيقية في ظل غياب التشريعات التي تستند فقط إلى توازنات طائفية».
في الواقع، استند القضاء إلى القانون الساري المفعول الصادر في كانون الثاني 1925 حيث يقتصر منح الجنسية اللبنانية على الأب فقط، باعتبار أن رابطة الدم من جهة الأم ليست كافية. ورأى أن المحاكم العدلية غير مختصة بموضوع منح الجنسية وغير مختصة وظيفياً بتطبيق قاعدة القياس وبمراقبة التشريع الداخلي لجهة دستوريته أو لجهة توافقه مع القانون الدولي.
لم يقتنع أحد من الموجودين أمام قصر العدل. الأمهات سألن باستنكار: «كيف لا تكون رابطة الدم موجودة بيننا وبين أبناء حملناهم تسعة أشهر؟ كيف لا يحق لنا أن نمنح الجنسية، فيما نمنح الحياة؟». تحدثن عن دول عربية هي مصر والجزائر والمغرب «تفوّقت على لبنان» حين أقدمت على تعديل قوانين الجنسية لديها. أما سميرة سويدان التي طالما رددت أنها تثق بالقضاء على الرغم من قلقها وعدم تفاؤلها بصدور حكم لمصلحتها، فأعلنت وهي تنفث دخان سيجارتها بانزعاج أن «الدولة عودتنا الظلم. تتذكر حقوق المرأة وتتاجر بها فقط في مواسم الانتخابات، أما باقي المواسم فتنتزع منا أبسط حقوقنا. لن أستسلم وسألجأ إلى التمييز». تضيف: «ما حصل اليوم كان اختباراً لمدى حسن نية الدولة تجاه المرأة اللبنانية لا تجاهي فقط، وقد ثبت أن الدولة تعاملنا بدونية معيبة ومخجلة أمام الرأي العام العالمي».
حملة «جنسيتي حق لي ولأسرتي» المواكبة للقضية أسفت للحكم القضائي القاضي برد دعوى سويدان، مشيرة إلى «أن هذا القرار غير مفاجئ نظراً إلى سجل مقاربة الدولة اللبنانية غير المشجع لهذه القضية». وأكدت المضي «في المسيرة النضالية لضمان حصول النساء على حقهن بمنح الجنسية لأسرهن». ورأت منسقة الحملة، رولا المصري، أن «الحل الوحيد لإنصاف النساء وتكريس حقوقهن في المواطنة والجنسية يتمثل في تعديل قانون الجنسية الحالي». أما محامية الدفاع، سهى إسماعيل، فأكدت الاتجاه نحو التمييز «لأن المعركة لم تنته، ربحنا الجولة الأولى وخسرنا الثانية، وعلى الجولة الثالثة أن تكون هي الحاسمة». وأشارت إلى أن قضية سميرة سويدان قد تكون مدخلاً مهماً لتعديل القانون الحالي للجنسية أو للعمل على سنّ تشريعات جديدة أكثر إنصافاً بحق المرأة اللبنانية. ونفت إسماعيل تداخل المعايير السياسية والطائفية في هذه القضية، مشيرة إلى أن القاضية ماري المعوشي طبقت اقتناعاتها القانونية، وعلى محكمة التمييز أن تنظر في مدى إنصاف القرار لسويدان.
محامون مهتمون بالقضية ومتابعون لتطوراتها أبدوا رأيهم بالثناء على الخطوة التي اتخذتها سويدان يوم سمعت أحد النواب يصرّح عبر إحدى شاشات التلفزة أنه يحق للأم اللبنانية أن تعطي جنسيتها لأبنائها إذا كان زوجها متوفى، ويوم جرؤت واعتمدت على جهود محامية قريبة، ومضت في حربها على قوانين «بالية» بنظرها.
ممثل نقابة المحامين في لجنة الإدارة والعدل، المحامي ميشال عيد، قال إن ما يحصل «خطوة أولى للتفكير بكيفية تقديم مشاريع قوانين جديدة أو تعديل القوانين القديمة». ولفت إلى أن «الاجتهاد الذي قام به القاضي جون قزي لن يصبح نصاً إلا إذا مرّ عبر البرلمان والتشريع، وهذا بحاجة إلى وقت وجهود كبيرة».



واللبنانيون المتزوّجون بإسرائيليات؟

ردّد بعض الحاضرين أمام قصر العدل أمس أخباراً عن آباء لبنانيين يعيشون داخل إسرائيل بدأوا، بمساعدة أقاربهم في لبنان، بالمعاملات التي تخوّلهم منح الجنسية اللبنانية لأولادهم. كما ردّدوا أخباراً عن شابات يحملن الجنسية الإسرائيلية تزوّجن لبنانيين ومنحن الجنسية الإسرائيلية لأولادهن. وشددوا على أن «السلطتين التشريعية والتنفيذية اللبنانيتين عاجزتان عن إحداث تغيير يكفل مساواة المرأة اللبنانية بالرجل وسط التهويل بتوطين الفلسطينيين في لبنان».
(الأخبار)