خرج سجين من خلف القضبان ليتسلّم شهادته الجامعية. اشتمّ رائحة هواء الحريّة لساعات قبل أن يعاد الى السجن. سطور تحكي قصة شاب محكوم لـ18 سنة نال شهادته في الزنزانة لتكون حبل نجاة عند خروجه. فهل تكون تلك خطوة على درب تحويل السجن مركزاً للإصلاح؟


رضوان مرتضى
لم يكن جالساً في الصف الأمامي للقاعة. عيون الحاضرين تبحث عنه. تتفرّس في وجوه المدنيين الموجودين بالقرب من رجال قوى الأمن. إذ لا يُعقل أن يكون قد تُرك بلا حراسة. لحظات تمرّ تُشير بعدها سيدة سمراء الى أحد الجالسين في الصف الثالث من القاعة. تُخبر أحد السائلين أنه السجين المحتفى به. يسألها الأخير عن جريمته فتهزّ رأسها وكتفيها بحركة تومئ بعدم معرفتها. يجلس بقربها ويدخلان في حديث طويل بشأنه. أما هو، السجين المجتهد إيلي بجق، الذي نال ديبلوماً في التاريخ، فكان يجلس بسكون. يراقب المتعاقبين على المنصة لإلقاء الكلمات. ويقف بقربه ضابط تعلو كتفه نجمتان. يتلفّت يمنة ويسرة بنظرات حذرة توحي بتلقيه إخبارية عن احتمال فرار السجين بين دقيقة وأخرى. الحاضرون كُثر وألسنتهم لا تكاد تكف عن ذكر عبارات الإعجاب بالشاب السجين الذي أبى إلّا أن يُكمل تحصيله الجامعي أثناء قضاء محكوميته في السجن. ترافق مع الحضور الذي لبى الدعوة الى حرم الجامعة اليسوعية، إجراءات أمنية مشددة، ربما لم تكن بسبب السجين بل تدخل في الإجراءات الروتينية لحماية الضيفين الحاضرين: الوزير زياد بارود والنائبة بهية الحريري.

أساتذة من الجامعة تنقّلوا بين بيروت ورومية لتوفير الدروس للسجين
بدأ الحفل بكلمة ترحيب ألقتها روزي رامي من دائرة الخدمة الاجتماعية التابعة لجامعة القديس يوسف التي تابعت ورافقت السجين إيلي بودجق طوال أربع سنوات. فتولّت توفير الدروس الجامعية له في قلب السجن على يد أساتذة من الجامعة تنقّلوا بين بيروت ورومية من دون انقطاع. رأت الكلمة الترحيبية أن تخرّج إيلي يؤكد فكرة أنه يحق للإنسان أن يحظى بفرصة ثانية حتى لو أدين. وذكّرت الكلمة بتجربة قديمة عام 2001 عندما جرت الموافقة على إعادة تسجيل طالب سابق في الجامعة كان قد سجن لخمس سنوات. كما روت كيف جرت الموافقة على استقبال إيلي في الجامعة بعدما رفضته إحدى الجامعات. فتحدثت عن مضمون رسالة كان قد بعثها إيلي الى إدارة الجامعة أعلن فيها ندمه على ما ارتكب، مبدياً عدم رغبته في أن يخرج من السجن مزوّداً بثقافة السجن والجريمة فقط. بعدها كانت كلمة رئيس جامعة القديس يوسف البروفسور رينيه شاموسي اليسوعي، فشكر كل من ساهم في إنجاح تجربة إيلي. كما رأى أن «السجين الذي يعمل ويكدّ لمتابعة دراسته رجل حر روحياً وفكرياً». ثمّ كانت كلمة السجين المتخرّج الذي بثّ كلماته بتأثر شديد، فقد بدأ إيلي كلمته باقتباس من كتاب بعنوان «العناية الإلهية» ليقول إن المعاناة ليست الأهم بل إن ما يهمّ هو طريقة الصمود في وجهها». انطلق من هذه المقولة ليروي ما قاساه في سبيل الثروة الوحيدة التي يملك و«هي المعرفة». وأمل إيلي أن تحمل رغبته في التغيير التي برهن عنها عبر نجاحه في الدراسة، أهمية في نظر السلطات القضائية، مؤكداً أن السجن، مقبرة الأحياء، لن يقتل أمله أن يخرج قبل انقضاء مدة الحكم البالغة 18 سنة.
انتهت كلمة إيلي ليصعد بعدها وزير الداخلية والبلديات زياد بارود الى المنصة ويعانقه قبل أن يبدأ كلمته التي أكّد فيها تميز الحفل. إذا رأى بارود أن «التجربة يجب أن تكون نموذجاً يُحتذى لكل السجناء والمؤسسات الأكاديمية». وشدد بارود على أهمية التجربة انطلاقاً من أن «عقوبة السجن في لبنان هي عقوبتان: عقوبة الجريمة وعقوبة الحرمان من التمتع بحياة كريمة بعد الخروج منه».
كذلك أعلن الوزير بارود مباشرة الوزارة «إعادة تنظيم نظام السجون في لبنان على مختلف المستويات»، سواء بالنسبة لجهة توفير الأمكنة والاحتياجات أو لناحية تأهيل البنى التحتية. وأشار الى أنه اتُّفق على تأهيلها وفقاً للمعايير الدولية والتشريعات بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجرائم. ولفت إلى أن «الوزارة ستبذل قصارى جهدها في سبيل تحقيق الإصلاحات في السجون»، مشيراً الى أن «مجلس الوزراء وافق على قسم كبير من عمليات التأهيل في سجن رومية وفي الكثير من مراكز الاعتقال».


لقطة

أشار مؤسس جمعية عدل ورحمة الأب هادي العيّا الى أن حفل تخرّج إيلي جزء من مشروع بدأ في السجن منذ سبع سنوات. لفت الأب عيّا الى أن المشروع المعروف بـ«مشروع تعليم الكبار داخل السجن» يتضمن محو الأمية وتعليم السجناء لتكنولوجيا الكمبيوتر، بالإضافة الى إكمال التعليم للشبّان الجامعيين الذين أوقفوا تحصيلهم الجامعي بعد دخولهم الى السجن. وتحدّث الأب العيّا عن بدء التنسيق مع المهنيات لتعليم السجناء مجموعة مهن تساعدهم في إعادة بناء مستقبلهم بعد خروجهم. كما ذكر مؤسس جمعية «عدل ورحمة» لـ«الأخبار» أن المشكلة التي تواجه المشروع التعليمي داخل السجن كانت في الجو القائم ومكان الدرس وغيرها من الأمور التي يعانيها السجين داخل السجن من مخدّرات وغيرها، لكنه لفت الى أنه استُحدث ما يُشبه صف مدرسة مؤقتاً داخل مبنى المحكومين ليُهيئ نفسياً السجناء الراغبين بمتابعة دروسهم. كذلك طالب الأب عيّا إدارة السجن بالانخراط أكثر في المشروع التعليمي.