المثقّف السوري الذي ذاق مرارة المعتقل، لم يفقد يوماً بوصلة الحريّة. لكنّه تجاوز جراحه ليتذوّق الحياة، ويُشغل بالفكر والإبداع. يعيش اليوم برفقة خلانه: ألتوسير وغرامشي، التوحيدي والعروي، سمير أمين ومهدي عامل وأنور عبد الملك... رغم الوقت الذي يمضيه في التسكّع وارتياد المقاهي، نقل حتّى الآن قرابة خمسين مؤلفاً من أساسيات المكتبة العربيّة، ويعدّه الروائي فواز حدّاد «أهمّ مترجم سوري» في الوقت الراهن


هنادي زرقه
خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006، وقفت بعض وجوه المعارضة السورية على مسافة ممّا يحدث، على اعتبار أن المقاومة متمحورة حول حزب الله. ثائر ديب بين الذين غرّدوا يومذاك خارج السرب، معبّراً عن الصوت اليساريّ المستقل والمغاير. عندما نذكّره بتلك المرحلة، يوجّه نقده القاسي إلى «ذلك الفكر الملتبس» الذي « يُحِلّ عقائد البشر محلَّ وجودهم الاجتماعي والسياسيّ. هذا الفكر ابن هزيمة ألحقها الاستبداد بالمعارضة، فغادرت الماركسية إلى حالة انحطاط فكري. كيف لم يرَ هؤلاء أن الذين دحروا الغزاة ذلك الصيف، هم أبناء الجنوب الذين لطالما أذلّتهم إسرائيل وأهملتهم الدولة، ولا يكفي اختزالهم في موقع إيديولوجي محدد».
قبل ذلك بسنوات، كان ثائر ديب خارجاً من المعتقل، ومعه ما أنجزه هناك من قراءة وكتابة وترجمة، وقد عقد العزم على هجرة الطبّ إلى الأبد. يقول في تقديمه ترجمةً لإدوارد سعيد: «كنتُ قد وطّنتُ نفسي على ألّا أفكّر في الحرية على نحوٍ يمكن أن يوهن الروح. قلت لها: هنا سنقضي، في هذه الزاوية المثقلة بالمعدن والأسمنت، فلنقضِ إذاً ما بقي بلا أحقاد صغيرة، صِغَر المحقود عليهم. فلنقضِ ما بقي في القراءة، والكتابة، والترجمة، والمسرح، والأمسيات الأدبية، والندوات الفكرية والسياسية، وإصدار مجلّة، وحفلات الموسيقى... (على آلات حقيقية صُنِعَت من خشب سحاحير الخضر)».
لا يحبّ ثائر ديب أن يتحدث عن الجراح، بل عن الثقافة والمقاومة. حين سأله صحافيّ عن «الكرسي الألمانيّ»، أجاب: «كثيراً ما يخطر لي أنّ هذا الكرسي الذي هو إحدى وسائل التعذيب الوحشية، خير معلّم للترجمة. بل هو ذاته فعل من أفعال الترجمة: ألمانيّ يُستَخْدَم في سياق عربي». لكنَّ البحر أو سرير المشفى كفيلان بأن يكشفا الجراح التي تثخن جسد هذا الماركسي العنيد: حروقٌ في الظهر والرأس، بترٌ في أصابع القدم، ضَعْفٌ في اليدين اللتين شُلَّتا طوال أشهر بسبب الكرسي الآنف الذّكر، ليُضاف إلى ذلك كلّه جرحٌ غائرٌ في الصدر ناجمٌ عن عملية قلب مفتوح. يقول رفيقٌ قديم: «مع ثائر ديب، يمكنك أن تثق بأنك لن تُؤْذَى مهما حصل».
يفخر ثائر ديب بأنّه قدّم إلى المكتبة العربية ترجماتٍ لا غنى عنها (حوالى خمسين)، تشيع العلم والفكر النقدي ومتعة المعرفة والإبداع، من بينها: «نظرية الأدب»، و«أوهام ما بعد الحداثة»، و«فكرة الثقافة» لتيري إيغلتون، و«موقع الثقافة» لهومي بابا، و«الجماعات المُتخيَّلة» لبندكت أندرسون، و«الله: سيرة» لجاك مايلز، و«إنجيل الابن» لنورمان ميلر، «علامات أُخِذَت على أنها أعاجيب: في سوسيولوجيا الأشكال الأدبية» لفرانكو موريتي، و«بؤس البنيوية» لليونارد جاكسون، و«نشوء الرواية» لإيان واط...
في أوائل تسعينيات القرن الماضي، احتفى المفكّر والمثقف الكبير أنطون مقدسي (1914 ـــــ 2005) بترجمته أيّما احتفاء. وكان آنذاك مدير التأليف والترجمة في وزارة الثقافة. وفي أوائل القرن الحالي، طلب إليه الأستاذ محمد كامل الخطيب أن يعمل في المديرية ذاتها بعقد خبرة، حيث لا يزال يرأس تحرير «جسور»، الفصلية المعنيّة بالترجمة ودراساتها، وقد رسّخت رغم حداثة سنّها حضوراً لافتاً في عصر موت الدوريات الجادّة ورواج السطحي والعابر. وهو في ترجماته وفي كتابته عن الترجمة، يرفع هذه الأخيرة إلى مصاف غير معهودة: «الترجمة أهمّ ما يحصل في الثقافة العربية. وهذا جميل ومؤسف في آن. الكتابة العربية تتدهور وتندحر، على الرغم من بعض الأمثلة اللامعة هنا وهناك».
توصَف ترجماته بأنها «رفيعة تمتاز بالدقّة والانضباط وباستقصاء تنهض به لغة مشرقة، وعبارة كثيفة مشحونة مفهومياً، إلى الحدّ الذي يمكّنها من مضارعة التأليف». وما يقف وراء مثل هذه الترجمة هو ثقافة واسعة وعميقة. وليس غريباً إن زرته أن تصادف في بيته أصدقاء من نوع خاص: الفلاسفة اليونان والألمان، البنيويين الفرنسيين، الحركة الطلابية في 1968، التوباماروس، الإنتلجنسيا الروسية الملتهبة، ألتوسير، وغرامشي، وريموند وليامز، وفريدريك جيمسون، وجون راولز، والجاحظ، وابن رشد، والتوحيدي، والعروي، وأنور عبد الملك، وخصوصاً سمير أمين ومهدي عامل (الذي أعطى اسمه لابنه)... لا يخفي عنك أحداً منهم، بل يعقد بينك وبينهم صداقات عميقة لا تنتهي.


في أوائل التسعينيات احتفى المفكّر الراحل أنطون مقدسي بترجمته

خلال حرب تمّوز كان بين المغرّدين خارج السرب، وعبّر عن الصوت اليساريّ المستقل والمغاير
لكن إلى جانب هذا الكلام المتجهّم والمراجع الصعبة، هناك شخص عابث، مشاكس، متهكّم، مقبل على الحياة، تراه أينما ذهبت، يقضي ساعاتٍ طوال في المزاح أو لعب الورق أو التسكّع أو الجلوس المتبطّل في المقاهي... حتى تحار متى أنجز كلّ ما أنجزه. وهو يقبل على ذلك كلّه بالحماسة التي يرافق فيها ويحاور شباناً يصغرونه كثيراً، بتواضع لا ادّعاء فيه، وندّيّة لا تشوبها شائبة، وبالحميّة التي يناقشك بها فيلفت نظرك إلى موضوعات لم يسبق أن خطرت في بالك، وعلاقات بين أشياء لم تكن تتوقع أن تكون بينها تلك الروابط.
ولا تكتمل صورة ثائر ديب من دون ما يقوله آخرون عن شخصه ونتاجه: «ثائر ديب؟ صديقي. إنسان وفيٌّ للثقافة لا للتكسّب أو الظهور. هاجسه نشر المعرفة. ومقالاته مكتوبة بحسٍّ نقديّ رفيع»، هذا ما يقوله أستاذ الفلسفة أحمد برقاوي. أمّا الروائي السوري فواز حدّاد، فيقول: «شهادتي فيه مجروحة. هو صديق عزيز، ومثقّف أحترمه، وأهمّ مترجم سوريّ الآن، بما يتميّز به من قدرةٍ على نحت المصطلحات الحديثة». ويقول رئيس تحرير «الآداب» اللبنانية سماح إدريس: «كان لدار «الآداب» شرف التعاون معه في عددٍ من الترجمات المهمة. وهو رئيس تحرير أفضل المجلات العربية اعتناءً بالترجمة. والأهمّ من هذا وذاك، أنَّ ثائر ديب لم يتخلّ عن مواقفه الحرة ولم يتزلّف لسلطة أو سلطان، ولم يفتّت السجن السياسي الطويل من التزامه الأخلاقي بالحرية والتحرر». أمّا صديقه وزميله نوفل نيوف فيرى أنَّ عمله «لا ينحصر في الترجمة التي ينصبّ جلّ جهده عليها، فالمقالات والأبحاث التي يكتبها جزءٌ متمّمٌ من صورة شخصيته الثقافية، إحدى مرايا الجدّيّة والعمق والامتلاء بعيداً عمّا نجده لدى كثيرين من حشوٍ وادّعاء وتعالم».
يخشى ثائر ديب أن تخونه عيناه ويداه، كما كاد قلبه يخونه. عينان تتّقدان حبّاً وعمقاً في آن، ويدان كيَدَي الملك ميداس في الميثولوجيا الإغريقية، تحوّلان كلّ ما تطالانه ذهباً.


5 تواريخ

1962
الولادة في اللاذقية
(سوريا)

1987
اعتُقل بسبب نشاطاته السياسيّة

1991
صدر أول الكتب التي ترجمها
عن سلسلة «المسرح العالمي» الكويتية

2003
عمل في مديرية التأليف والترجمة
في وزارة الثقافة

2010
يرأس تحرير مجلّة «جسور»
للترجمة والدراسات التي بلغت عددها الخامس الشهر الماضي