من أكثر الأمراض النفسية شيوعاً في عصرنا هذا حالة مرضية تسمى «ثنائي القطب»، وأخرى هي «الوسواس القهري». أما بالنسبة إلى الحالة الأولى ـ ثنائية القطب ـ هي عبارة عن تقلبات حادة في المزاج يعاني منها الشخص، فيمضي حياته متنقلاً بين الكآبة الشديدة والفرح العارم. أما الوسواس القهري، فيعاني بسببه المريض من فكرة متكررة في رأسه تسيطر على عقله طوال النهار ولا يستطيع التخلص منها.


من الثنائية والوسواس إلى الموسيقى. إحدى لغات العقل، فالموسيقي يكتب أفكاره بشكل لا واع، عكس الفيلسوف الذي يكتبها بشكل واع. وعبر مراقبة الجمل الموسيقية المكتوبة، نستطيع تحليل آلية عمل العقل وتفاعل الوعي مع اللاواعي. ومثال على ذلك ألحان بليغ حمدي التي تظهر «ثنائية القطب»، واضحة في ألحانه، فهذا الملحن كان ينتقل في معظم أغانيه من حالة الحزن الكبير الى الفرح العارم بشكل مفاجئ وهذا ما ميّزه، ولتكن أغنية «موعود» التي غناها عبد الحليم حافظ مثالاً على ما أقول، فلو تأملت موسيقى المطلع لانتبهت الى مدى حزنه الذي يبلغ حدّ الكآبة، «موعود معايا بالعذاب (...)»، ثم فجأة ينتقل الى الفرح والغبطة العارمتين «وأمانة يا دنيا أمانة»، وقس على ذلك الكثير مما لحّن. هذا النسق التلحيني يطبع أغاني بليغ، ويشير إلى إصابته بثنائية القطب، ولا بد أن سلوكه في الحياة قد انطبع بهذا المرض، وكان التلحين إحدى وسائله في تصريف طاقة اللاوعي للمحافظة على صحّته العقلية.


نستطيع تحليل آلية عمل العقل وتفاعل الوعي مع اللاوعي عبر مراقبة الجمل الموسيقية

أما بالنسبة للأخوين رحباني، فألحانهما تسللت نحونا بنسق مختلف، لازمة متكررة ترسم شكل الأغنية، ولو كانت من ماء، تكرار الجملة الموسيقية يميز ألحانهما. أغنية «علموني» هي مثال بسيط عن حالة متكررة «علموني هني علموني». هذه جملة موسيقية تتكرر «على حبك فتحولي عيوني»، ثم تتكرر «والتقينا وانحكى علينا» وتعود لتنتهي معها الأغنية.
هذا التكرار اللحني لا يستطيع تمييزه المستمع، كون الكلمات، إضافة الى صوت فيروز، يثقلان الأغنية بسحر لا هروب منه. لكن اذا قرأنا نوتات الأغنيات بشكل مجرد لوجدنا تكرار الجمل الموسيقية في معظم الأغاني. هذا من سمات الوسواس القهري الذي يسيطر على العقل ويدفعه للعمل بشكل دائم لتحقيق فكرة، وإذا أخذنا طفولة الأخوين الرحباني مع أب عنيف، نستطيع حينها أن نفهم جذور هذا الوسواس المطبوع بالخوف من الموت كون التهديد كان قريباً ينبع من الداخل عبر الأب. الوسواس القهري كان يدفعهما للعمل بشكل مكثف وهذا يشرح كثافة الألحان والانصهار بالمهنة حدّ التوحد، وصولاً إلى العمل المضني على الصعيد الإعلامي والفني في بداياتهما لإثبات نجاحهما، كما يشرح حالة القلق الكثير الداخلي الذي كان يعتريهما بشكل دائم كما ذكرا في مقابلاتهما دون معرفتهما السبب. في ألحان زياد الرحباني محاولة للتجديد ولتغيير الموروث، ألحانه تميل إلى اللغة العلمية، كمن يكتب معادلات رياضية ترسم جمالها. ولكن إن أخذنا أغنية «قديش كان في ناس» مثلاً وحاولنا إلقاء نظرة على عالمه الداخلي انطلاقاً من جملها الموسيقية لوجدنا صراعاً بين زياد وأهله، فهذه الأغنية تنقسم إلى جزئين، جزء يتحدث فيه عن الآخرين، الناس الذين تنتظرون بعضهم ويعيشون الحب، وجزء يتحدث فيه عن نفسه حين لا أحد ينتظره، ولا أحد يذكره. في الجزء الذي يتحدث فيه عن الناس يبدو اللحن متحرراً، الجمل الموسيقية جديدة وحرّة لا نمط يحددها، أما الجزء الذي يتحدث فيه عن نفسه فيعود للأزمة المتكررة، تدور الكلمات على نفس الجملة الموسيقية التي تتكرر عدة مرات. هنا يظهر الوسواس القهري الموروث والذي يرمي بثقله عليه مسبباً له الحزن والوحدة.
نصل إلى ألحان «عبد الوهاب» نشعر بها ذكية وحذرة من المجازفة. جمل عبد الوهاب في معظمها متشابهة، يستعمل نفس النوتات في معظم أغانيه ولكن بشكل مختلف كل مرة. لا يغامر ولا يخرج عن سلمه المعهود لكنه يبدع في التوزيع. يبدو عبد الوهاب طفلاً سعيداً مطمئناً. ربما هذا بسبب كونه الذكر الوحيد عند أهله، ما جعله يستثمر ذكاءه بثقة مع سعي دائم للحفاظ على النفس عبر الهروب من المخاطر في التلحين أو في الحياة، ربما هذا يفسّر سبب خوفه من الطيران.
للعقل لغة بيولوجية يتفاعل بها مع الجسد ويُعرَف عبرها الوجود لينتج أمراضه وصحته، لغاته وإبداعاته، علمه وكل ما احتوى العالم الإنساني من تجسدات. هو عضو من أعضاء الجسد يقوم بمهمات كثيرة، كاليد مثلاً، لو فقدت أحد الأصابع تأثرت كلّ مهامها. كذلك العقل، تركيبته تتجسد في كل إنتاجاته وقد يصل التطور البشري يوماً ما إلى قراءة الأفكار عبر فحص روتيني وشرح أسبابها كما يقرأ فحص الدم، وقد يصبح علاج العقل بسيطاً كعلاج الكوليسترول، مع الحفاظ على أصالة الإبداع، لمَ لا؟
* طبيب أسنان