يمكن الجزم، من دون مغامرة تُذكَر، بأن زمن الفوز بتسعين في المئة من أصوات الناخبين انتهى في تونس بانتظار أن ينتهي في جميع الدول العربية الأخرى. فقد سجّل الاستحقاق الانتخابي التاريخي الذي احتضنته تونس بالنيابة عن دول «الثورات العربية»، نجاحاً ملحوظاً، ما من شأنه أن يكون له أثر في الدول العربية الأخرى، التي حصل ولا يزال يحصل فيها تغيير سلس أو غير سلس لأنظمة حكمها. وكان المشهد التونسي الذي نقلته التلفزيونات ووكالات الأنباء، أمس، مؤثراً؛ 7 ملايين مواطن لا يكادون يصدّقون أنهم يمارسون حقهم في أول انتخابات حرة في تاريخ بلادهم منذ استقلال عام 1956. السواد الأعظم ممن شارك في الاقتراع كان يفعل ذلك للمرة الأولى في حياته بعيداً عن النتائج المعلبة والمعروفة مسبقاً التي سادت العقود السبعة الماضية، والتي كرّسها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أسوأ تكريس. ومثلما كانت ثورة تونس مقدمة الانتفاضات الشعبية العربية بفضل ثورة 14 كانون الثاني طبعاً، فإنها افتتحت أيضاً عهد الانتخابات التعددية في دول «الربيع العربي»، بينما راقبت شعوب عربية أخرى الاستحقاق التونسي بعين الغيرة والحسد؛ لأنها لا تزال ترزح تحت ثقل طغاتها. الاستنفار الأمني الذي أُفرد للاستحقاق التونسي أجدى نفعاً، إذ لم تسجل أي هزة أمنية كبيرة تعكّر مزاج عشرات آلاف عناصر الأمن والجيش المكلفين تأمين العملية الانتخابية التي بدأت عند السابعة صباحاً (بتوقيت تونس) وانتهت عند السابعة مساءً (من التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءً بتوقيت بيروت).

اقترع التونسيون على قاعدة «انتَخَبوا بدلاً مني طويلاً في الماضي، واليوم أنا من ينتخب بحرية»، وسط تعطّش انتخابي انعكس ظواهر غير مسبوقة في العالم العربي: أولاً من خلال نسبة الاقتراع الكبيرة التي سُجلت، والتي وصلت إلى 70 في المئة قبل ساعتين من إغلاق الصناديق، تماماً مثلما سجلت نسبة تصويت التونسيين في الخارج رقماً قياسياً وصل إلى 40 في المئة. ثانياً من خلال عدد المرشحين الذي وصل إلى أكثر من 11 ألفاً، موزعين على 1517 قائمة تمثل ثمانين حزباً سياسياً ومستقلين (40 في المئة)، تنافسوا على 217 مقعداً للمجلس الوطني التأسيسي. ثالثاً، طول مسافة طوابير الناخبين الذين انتظروا وصول دورهم ليدلوا بأصواتهم، إضافة إلى العدد القياسي للصحافيين التونسيين والأجانب الذين غطّوا الاستحقاق والذين زادوا على 1800 صحافي.
لن يطول الزمن قبل أن يُكشف عن هوية القوى الرابحة والفائزة في الاستحقاق الانتخابي الذي أجمع العالم على تاريخيته، إذ يتوقَّع أن تعلن النتيجة الرسمية النهائية للانتخابات بعد ظهر اليوم، مع توقعات أولية بأن تكون حركة النهضة الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي صاحبة العدد الأكبر من الأصوات، لكن مع استبعاد أن تنال الحركة غالبية تسمح لها بالسيطرة على المجلس التأسيسي، صاحب الصلاحيات الكبيرة التي تبدأ من وضع دستور جديد للبلاد يحل مكان دستور عام 1959 الساري المفعول حتى اليوم، وتنتهي بانتخاب رئيس جديد للبلاد يعين بدوره حكومة جديدة حتى إجراء انتخابات برلمانية على أساس الدستور الجديد. وإن صحّت التوقعات بشأن عجز «النهضة» عن نيل عدد كافٍ من أعضاء المجلس التأسيسي، فسيكون الحزب الاسلامي مضطراً إلى الدخول في ائتلاف سياسي من شأنه تقليص نفوذ الإسلاميين. غير أنّ التجربة الانتخابية الأولى للغنوشي لم تكن مثالية؛ إذ تعرّض «لهجوم كلامي» في مركز الاقتراع الذي مارس فيه حقه الديموقراطي في العاصمة، بعدما أُلزم باحترام مبدأ السواسية بين المواطنين والانتظار كسائر الناخبين في طابور المنتظرين، مع توقع المراقبين أن يلي «النهضة» أحزاب «الديموقراطي التقدمي» المعروف بتمسكه بالقيم العلمانية لتونس، إضافة إلى ائتلاف الأحزاب اليسارية «قائمة البديل الثوري». وفور وصول الغنوشي مع أفراد عائلته إلى أحد مراكز الاقتراع في العاصمة تونس، دعاه الحشد إلى الاصطفاف كسائر الناخبين قائلين له: «الصف، الصف (الطابور). الديموقراطية تبدأ من هنا»، فامتثل الغنوشي وأخذ مكانه في طابور امتد نحو كيلومتر. غير أنّ هذا لم يحل دون توجيه عدد من المواطنين شتائم للغنوشي ورفع شعارات «ارحل» و«مجرم وإرهابي» و«عد إلى لندن». بدوره، طمأن رئيس الوزراء المؤقت الباجي قائد السبسي، بعد إدلائه بصوته في سكرة (شمال العاصمة)، إلى أنه في هذا اليوم التاريخي، ليس إلا مواطناً يقوم بواجبه «مثل غيره من المواطنين». أما الرئيس المؤقت فؤاد المبزع فقد أشار إلى أن عملية الاقتراع «ستوصل تونس إلى شاطئ السلام»، لافتاً إلى أنه سينسحب «نهائياً من الحياة السياسية» حال تسليم الرئاسة لرئيس يختاره المجلس التأسيسي المنتخب.
وفي السياق، أعلن رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كمال الجندوبي أن إقبال التونسيين على انتخابات المجلس التاسيسي «فاق كل التوقعات التي كنا نتصورها»، مع أنه لم يورد أرقاماً محددة، بما أنه «ليست لدينا أرقام دقيقة عن نسبة الإقبال حتى الآن، ومحتمل أن تفوق نسبة المشاركة 60 في المئة». واعترف الجندوبي برصد بعض التجاوزات، بدليل أن بعض القوائم الانتخابية واصلت حملتها الانتخابية يوم الأحد «ولم تلتزم الصمت الانتخابي» الذي كان يجدر أن يكون شاملاً منذ منتصف ليل الجمعة ـــــ السبت. وكان الجندوبي قد كشف أن نسبة مشاركة التونسيين في الخارج (الذين سيمثلهم في المجلس الوطني التأسيسي 18 عضواً من أصل 217) تقترب من 40 في المئة، وهو رقم قياسي بما أن المعدل العالمي للتصويت في الخارج قلما يزيد على عشرة في المئة.
وللمرة الأولى في تاريخ تونس، أشرفت هيئة عليا مستقلة للانتخابات على عملية الاقتراع بدلاً من وزارة الداخلية. ورغم مبدأ المناصفة في القوائم بين الرجال والنساء، لم تزد نسبة رئيسات القائمات على 7 %، علماً بأن الانتخابات جرت وفق نظام النسبية بنحو يشجع الأحزاب الصغيرة بغرض تفادي هيمنة حزب واحد مثلما حصل منذ 1956.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)