القاهرة | لا أحد يعرف مع من كان يتحدث جمال مبارك على الهاتف في اللحظات الأخيرة قبل دخوله السجن. الجملة الأخيرة التي سمعها الشهود منه «أيوه ... ولاد الريّس الاثنين في السجن». بانضمام جمال وعلاء مبارك، يضاف فصل جديد من فصول سجن ليمان طرة، صاحب السجل التاريخي الحافل، منذ مذبحة الإخوان المسلمين عام 1957، قبل تحويله إلى سجن «الناس الهامة» في عهد نظام حسني مبارك.


لقد استضاف السجن على مدار تاريخه لفيفاً من الشخصيات السياسية والاقتصادية والإعلامية الهامة، من رجل الأعمال قاتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، هشام طلعت مصطفى، الى وصيف الرئيس في الانتخابات الرئاسية، أيمن نور، الذي قضى في السجن خمس سنوات. أما اليوم، فالسجن يستعد لاستضافة الطاغية الذي حكم مصر لأكثر من 30 عاماً. القصص التي سرّبت من داخل جدران هذا السجن تروي جميعها أن هشام طلعت هو أسعد شخص في السجن الآن. ومنذ بداية الأحداث، وهو يحرص على الخروج من زنزانته للترحيب بالمساجين من رجال نظام مبارك، الذين بدأوا بالتوافد تباعاً، من «الرجل الفولاذي» أحمد عز، الذي قيل إنه رفض مصافحة هشام، واعتزل في غرفته وقضى ليلته الأولى في بكاء صامت، فيما حرص المساجين الآخرون على تحيّته بالأغاني الساخرة وتصويره.
توالت بعد ذلك التحقيقات مع رجال النظام الآخرين، وتزايد عرض الشرائط المصورة على الإنترنت التي تظهرهم أثناء الترحيل من النيابة الى السجن. أما الوحيد الذي لم يهتم المصريون بتصويره أثناء الترحيل فكان رئيس الوزراء السابق أحمد نظيف. وقد تنبّه رجال النظام، منذ صفوت الشريف، إلى كاميرات الصحافيين وأجهزة هواتف المواطنين، فابتكروا حيلة جديدة وهي تغطية الوجه بالجاكيت. وكان رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، زكريا عزمي، أول من ابتكر هذه الحيلة أثناء ترحيله.
زكريا أيضاً كان صاحب «الأفيه» الأشهر التي أطلقها أثناء التحقيق معه، حينما اعترض على أسئلة المحققين بالقول «هو كل واحد عنده كم قصر وكم شقة يبقى فاسد؟». وحتى بعد دخوله السجن، ظل عزمي يتصرّف كأنّه رئيس الديوان، فأبدى اعتراضه على التلفزيون الموجود في زنزانته، وطلب توفير شاشة «بلازما» ذات مقاس أكبر. كما أنه لم يسعَ الى الاختلاط بباقي المساجين.
أما صفوت الشريف، وزير الإعلام ورئيس مجلس الشورى الأسبق، فقد استعان بالخيال السينمائي متقمّصاً شخصية الفنان زكي رستم في فيلم «رصيف نمرة 5». وقطع التحقيقات أكثر من مرّة ليصلي الظهر، ثم العصر، ثم المغرب. أما صلاة العشاء، فقد صلاها في ليمان طرة، إذ وصل إلى السجن في ساعة متأخرة ودخل إلى زنزانته بعدما ارتدى الحلّة البيضاء.
وقضى الشريف الليلة الأول من دون أن يغمض له جفن، رافضاً تناول عشاء السجن. وفي الصباح، تناول الإفطار على «طبلية» رئيس الوزراء أحمد نظيف. و«الطبلية» في مصطلحات السجون المصرية هي الطعام الذي يأتي من الخارج للسجناء. ويُروى أن نظيف سأل الشريف «ما الذي حدث»، فكانت إجابته «الولاد بتوع الثورة دخلوني السجن يا دكتور».
لكن الشريف ليس غريباً على سجن طرة، إذ سبق أن دخله في الستينيات أثناء التحقيق معه في انحرافات جهاز الاستخبارات، وكان يحمل وقتها اسم «موافي». وتورط في تصوير عدد من الفنانات وسيدات المجتمع في أوضاع مخلّة، منهنّ سعاد حسني واعتماد خورشيد، ليعود الشريف مرة ثانية إلى طرة وتعنون جريدة «الأهرام» الرسمية «تفاصيل ليلة دخلة موافي في ليمان طرة».
«الريّس» وابناه
ويجمع المراقبون على أن التظاهرات والضغوط الشعبية المستمرة هي التي سرّعت في إجراءات سجن الرئيس مبارك. كما أن التسجيل الصوتي الذي بثته قناة «العربية» أظهر تحدياً واضحاً من الرئيس لأجهزة القضاء المصري. بدأ فريق النيابة التحقيق في الحادية عشرة من صباح الثلاثاء، وهو مؤلّف من المستشار عبد الله الشاذلي، المحامي العام الأول لنيابات جنوب سيناء، والمستشار مصطفى سليمان، المحامي العام لنيابات استئناف القاهرة، وهو أيضاً من أجرى التحقيقات في قضية هشام طلعت مصطفى. وحضر التحقيق المحامي، فريد الديب. وتبيّن أن رئيس فريق الدفاع هو المحامي ذاته الذي دافع عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام في التسعينيات.
وكانت نقطة انهيار مبارك حين واجهته النيابة بأقوال حبيب العادلي الذي ادّعى بأنه تلقى تعليمات من مبارك باستخدام الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، فهبّ مبارك ونعت العادلي بالكاذب. في الثانية عشرة والنصف ظهراً، اتصل اللواء مصطفى شاهين، السكرتير الخاص لمبارك من فيلّته الخاصة بشرم الشيخ بالمستشفى، وقال: «ألو ... الريس تعبان، ممكن تبعت إسعاف».
وانتقل مبارك إلى مستشفى شرم الشيخ بصحبة زوجته سوزان وزوجتي ابنيه، ولحقه فريق النيابة ليستكمل التحقيق معه في المستشفى، في الوقت الذي استمرت فيه التحقيقات مع جمال وعلاء مبارك في محكمة شرم الشيخ.
تحقيقات مبارك الأب انتهت بقرار النيابة بحبسه لمدة 15 يوماً، من المتوقع أن يقضيها في المستشفى نظراً الى ظروفه الصحية. وحسب شهادة الدكتور السباعي أحمد السباعي، كبير الأطباء الشرعيين، فقد استقبلت زوجته وزوجتا ابنيه الخبر بحالة من البكاء والانهيار رغم أنه كان متوقعاً. أما مبارك الأب فقد أخذ يردّد عبارة واحدة «ربنا كبير ... ربنا كبير».
أما التحقيقات مع ابنيه، فقد انتهت في وقت متأخر من منتصف الليل، وواجهت الشرطة صعوبات في إخراجهما من المحكمة إلى المطار لنقلهما إلى القاهرة. وحاولت قوات الأمن الاستعانة بعدد من أهالي المنطقة من البدو للسيطرة على المتظاهرين وتفريقهم من أمام المحكمة، لكن المحاولة باءت بالفشل. وخرج علاء وجمال تحت حراسة مشدّدة في عربات مصفحة تدافع المواطنون لرشقها بالحجارة. ثم تولت القوات المسلحة مسؤولية نقلهما بطائرة مروحية إلى مطار ألماظة (غرب القاهرة)، حيث ركبا سيارة مصفحة، كانت تحاصرها ٥ سيارات أمن وسيارة شرطة عسكرية. وسلكت السيارات طريق صلاح سالم ومنه إلى طريق الأوتوستراد حتى وصلوا إلى سجن مزرعة طرة (جنوب القاهرة).
دخلت السيارة المصفحة وحدها إلى السجن، ونزل منها المتهمان، واقتادهما الحرس إلى إدارة الأمانات، حيث تخلى الاثنان عن الهاتف الخلوي وخلعا ملابسهما، لكنهما رفضا ارتداء ملابس السجن، وأصرّا على ارتداء ملابس بيضاء أحضراها معهما. كان أحمد عزّ هو أول من هرع لاستقبال جمال وعلاء. ودار بينه وبين جمال حديث قصير، بينما رمقه علاء بنظرة غاضبة، وطلب اصطحابه إلى الزنزانة ولحق به جمال بعد عشر دقائق.
حمل علاء وجمال رقمي ٢٣ و٢٤ في عنبر خاص ملحق بالعنبر رقم «١» في سجن المزرعة، وهو العنبر المخصص للمساجين الكبار. وما إن تنبّه المساجين إلى وجودهما حتى أخذوا يهتفون «الصحافة فين ... ولاد الريس أهم»، و«يا جمال قول لأبوك، السجناء بيحبوك».
وكان أبرز المساجين الذين حرصوا على لقاء جمال وعلاء، حبيب العادلي، وهشام طلعت الذي ركز في حواره معهما على السؤال عن صحة الرئيس الذي طالما ردّد هشام أنه أبوه. وفي صباح أول يوم لهما في السجن، تناول علاء وجمال الإفطار من طبلية أنس الفقي، وزير الإعلام السابق.
الزنازين التي يقضي فيها رموز النظام السابق فترة حبسهم ليست مثل الزنازين العادية، فحسبما يؤكد محمود، أحد نزلاء سجن «طرة»، كل سجين موجود في غرفة فيها ثلاجة صغيرة وتلفزيون، إضافة الى احتفاظه بمتعلقاته الشخصية. ولكل سجين منهم عدد من السجناء الذين يقومون بخدمتهم، في مقابل مادي يصل أحياناً إلى 100 جنيه في اليوم، بالإضافة الى علبة سجاير «مارلبورو». ويستخدمون حمامات خاصة تحتوي على سخانات مياه، وهي رفاهية كبيرة لا تتوافر للجميع في السجن، كما أنّ مأمور السجن شخصياً يمرّ عليهم بانتظام ويسألهم «فيه حاجة ناقصاكم؟»