دمشق | سخر الرئيس الأميركي باراك أوباما، قبل نحو 3 أشهر، من إقرار الدستور الجديد في سوريا. الساخرون كانوا كثراً. في المقابل، سخر الرئيس السوري بشار الأسد، آنذاك، من سخرية الساخرين. مضى بالدستور الجديد، الذي خرج معه حزب البعث، نظرياً، من كونه «الحزب الحاكم». يوم أمس، كانت سوريا على موعد مع أول استحقاق دستوري؛ إذ اقترع السوريون لانتخاب أعضاء مجلس الشعب. هكذا، أدار المسؤولون في دمشق، لكل المنتقدين في الخارج، الأذن الطرشاء. على كل حال، مَن كان ينافس مَن، أمس، في الانتخابات التي ترشح لها 7195 سورياً؟ هل ثمة حزب ينافس «البعث» انتخابياً؟ صحيح أنه بات في سوريا قانون جديد للأحزاب، وقد ولدت بعده فعلاً أحزاب جديدة، ولكن هل هي وازنة كفاية لتخوض منافسة مع حزب مضى على حكمه البلاد نحو 40 عاماً؟ بحكم البداهة، والواقعية السياسية، لا يُتوقع اليوم أن «تجتاح» مجلس الشعب جموع الأحزاب الجديدة، أو حتى المستقلين، وبالتالي لن يضع البعثيون أيديهم على قلوبهم خوفاً من خسارة «البرلمان». إنهم أسياد اللعبة في الشام.


وفق هذا الواقع، تحدث «البعثي» فايز الصايغ، الذي ترشح للانتخابات على قائمة الوحدة الوطنية. التقته «الأخبار» بعد خروجه من مركز الاقتراع، أمس، عند باب توما في دمشق. يشير بفخر إلى أن عدد البعثيين الحزبيين، المسجلين فقط، هم 2.8 مليون سوري. «نحن لا نتمنى حصول خروقات للائحتنا، ولكن نقبل حصولها إن حصلت؛ لأن هذا سيدعونا إلى مراجعة أنفسنا، وعندها سنبحث مع الجهات التي خرقت ونالت أصواتاً، عندها سنتواصل معهم ونرى وضعهم». صحيح أن «البعث» لم يعد الحزب الحاكم، وفق الدستور الجديد، إلا أن كل بعثي، في قرارة نفسه، لا يزال يتعاطى في سياسته من منطلق أنه «المؤتمن على البلاد». يرى الصايغ أن المادة الثامنة من الدستور القديم، سببت «ترهل البعث؛ لأن شيئاً لم يكن يخيف الحزب من السقوط انتخابياً، أما اليوم، فلا بد للحزب من استنهاض الهمة ليكون على مستوى تطلعات الشارع والناس».
طبعاً، لا يمكن البحث عن معارض، من الذين يدعون إلى إسقاط النظام، داخل مراكز الاقتراع. هؤلاء دعوا إلى المقاطعة التامة، بل إن بعضهم وجه تهديدات لمن يترشح أو حتى يقترع. وبالتالي، كل من قصد مراكز الاقتراع، أمس، فهو إما من الموالين، أو من المؤيدين لمرشحين مثل قدري جميل، الذي يصنف بأنه من المعارضة «الناعمة». داخل مركز الاقتراع في حي كفرسوسة، في مدرسة المقداد الكندي، ترى فداء الخطيب أن مشاركتها في العملية الانتخابية هي بمثابة «التحدي الوجودي». كل ما تقوله فداء، التي تعمل في التدريس، يوضح أن دافعها الانتخابي «سياسي محض». عند مدخل المركز، كانت سيدة أخرى، طاعنة في السن، تتحدث مع صحافي صيني. قالت له: «انتخبت عشان أنا مع الجيش. ابني عسكري والله يحميه ويردلي اياه».
داخل المركز، كانت ريتا الهيبة، الشابة التي تشارك في الانتخابات للمرة الأولى، تجول على كل الإعلاميين لتخرج ما في صدرها من «قهر». بالنسبة إليها «لقد سقطت المؤامرة». لا تزال المؤامرة إحدى أكثر الكلمات التي تُسمع في سوريا. الهيبة غاضبة من الجو الطائفي «الذي أدخلته المعارضة علينا... نحن نحب السيد حسن نصر الله من أجل مواقفه، لا من أجل طائفته، وكذلك الرئيس بشار، وقبله والده، الذي لم يصافح الإسرائيلي يوماً».
هكذا، كان الاقتراع في سوريا أمس سياسياً بامتياز. المطالب المعيشية، التي ترافق عادة انتخاب النواب، لم تكن تُسمع على ألسن المقترعين. فمثلاً، يدخل شاب إلى مركز «باسل الأسد» في شارع بغداد، وهو يحمل أوراقاً وزعها عليه مندوبو المرشحين، ليسأل بعض الحاضرين عن ميول أصحاب الأسماء المدونة على اللائحة في يده.
إذاً، حتى عصر أمس، كان التباين هو سمة المشهد الانتخابي في دمشق وريفها. ففيما شهدت مباني الوزارات والهيئات الحكومية ازدحاماً كبيراً من المقترعين، ومن وكلاء المرشحين ووسائل الإعلام الرسمية، بدت بعض المراكز الانتخابية ضعيفة الإقبال. أما في الداخل، فقد تباينت انطباعات المقترعين بين من قرر التصويت لمرشحين محددين باتوا معروفين، وبين من لم يقتنع بالأصل بأي من المرشحين، وبين من تساءل عن الأحزاب الجديدة.
الأحزاب الجديدة لم تكن راضية عن اليوم الانتخابي الطويل، الذي استمر منذ الساعة السابعة صباحاً حتى العاشرة ليلاً. ففي الوقت الذي فضلت فيه بعض الأحزاب الانسحاب احتجاجاً على الواقع الانتخابي «غير المنصف»، أو بسبب تحالفات حزب البعث، حسم آخرون أمرهم وقرروا المضي قدماً باعتبار أنها محطة ضرورية لفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية في سوريا. الفنانة التشكيلية مجد نيازي، الأمينة العامة لحزب «سوريا الوطن»، أشارت خلال حديثها لـ«الأخبار» إلى أن قرار الحزب كان الانسحاب من الانتخابات البرلمانية، باعتباره «حزباً جديداً في مواجهة حزب ذي ماض كبير، كالبعث»، بالإضافة إلى تدفق ما سمته «المال السياسي في الأيام الأخيرة، مع تشكل تحالفات في الحملات الانتخابية، أبرزها تلك التي ظهرت بين أحزاب تقليدية، والبعث الذي كان من المنتظر منه القيام بعملية ترتيب للبيته الداخلي، وهو ما لم يحدث». وتضيف نيازي أن من الأسباب الإضافية التي دعت إلى الانسحاب «الأوضاع الأمنية في الأيام الأخيرة، كل هذه الأسباب دفعت الحزب إلى الانسحاب، فلا شيء سيتبدل في المشهد السياسي ما دامت الحال على ما هي عليه». من جهته، رأى جهاد إبراهيم، عضو حزب «الشباب الوطني للعدالة والتنمية»، أن «المشاركة الانتخابية في دمشق والحسكة، حيث يتركز عدد من أنصار الحزب، ليست كما يجب، فمن الواضح أن هناك اتجاهاً إلى المقاطعة. لكن الحزب يحاول وضع ثقله لكي يتمكن مرشحوه في المناطق من دخول قبة البرلمان السوري، وهي في النهاية محطة ضرورية لتشكيل هيئة ستقود الحوار الوطني السوري بعد إقرار الدستور الجديد». ويرى إبراهيم أن «حالة من التمييز تحصل في الحسكة، لذلك ثمة مقاطعة من بعض الأكراد لمرشحين ذوي نفس وطني». من جهة أخرى، يذكر أنه «يسود لدى عرب الجزيرة حالة من العشائرية، تختصر المشهد الانتخابي في شرق سوريا».
وفي هذا الإطار، حاولت «الأخبار» الاتصال بأحزاب أخرى قررت المشاركة، إلا أن ممثليها كانوا مشغولين بالمراكز الانتخابية. وبالحديث عن شؤون الانتخابات أمس، كان لافتاً التعامل بالورقة البيضاء داخل مراكز الاقتراع، فهي بحسب أحدهم «خيار لإثبات المواطنة والمشاركة بالاستحقاق الوطني، الذي يفتح الباب على تعددية سياسية، وهو في الوقت نفسه خيار من لم يلفت نظره أي من المرشحين، الذين لا يزالون يعيشون في زمن شعارات التسعينيات الرنانة، فلم يقدموا أي جديد، وخصوصاً من أعداد كبيرة من الشباب لم تفصح عن أي جديد يختلف عن أولئك المرشحين التقليديين للانتخابات». مقترع آخر فضل التصويت لمرشحي حزب البعث، لأنه «رغم ضعف الحال الاقتصادية التي عاشها المواطن السوري، كان جو من الأمن والطمأنينة يسود المدن السورية قبل ذلك، وبالتأكيد نحن ندين للحزب بهذه السياسة التي تجعلنا نتجه إلى التصويت له، أضف إلى ذلك أن مرشحي الحزب ممن عهدناهم بيننا في الدوائر الحكومية، أثبتوا فعلياً ولاءهم للوطن، وقد شهدنا لهم بإنجازات في مجالات عملهم تشجعنا على الاقتراع لهم». الموظف الحكومي قرب المركز، اختصر رأيه بالانتخابات، قائلاً: «أفضل التصويت لمن أعرفه على من لا أعرفه».
أما في ريف دمشق، الذي يعيش على وقع الرصاص والعمليات المسلحة، فلم يكن الوضع الانتخابي في أحسن أحواله. الإقبال بدا ضعيفاً في مراكز مثل داريا وحرستا ودوما والمعضمية، وقد فسر بعض الأهالي الحضور الخفيف بوجود الفرق الحزبية ومناصري البعث، الذين «حشدوا لضمان عبور ممثليهم إلى البرلمان». واشتكى البعض من مادة في قانون الانتخاب، تحدد على المقيم خارج محافظته الإدلاء بصوته في مدينته أو إبراز ما يثبت انتماءه إلى هيئة حكومية في المدينة المقيم فيها، وهو ما انعكس سلباً على العديد من الطلبة والموظفين في القطاع الخاص الذين قرروا عدم الاقتراع بدلاً من التوجه إلى محافظاتهم.