المنامة| بعد أسبوع من انطلاق انتفاضة 14 شباط في البحرين، وعلى الطريقة اللبنانية، ظهر في المشهد السياسي تجمّع شعبي مقابل طرح نفسه كقوة شعبية لها مطالبها المستقلة عن حراك «14 فبراير» وجمعيات المعارضة، وكان قوامه الشارع السني. اتخذ هذا التجمّع من المعلم الإسلامي «جامع الفاتح» شرق العاصمة المنامة، مركزاً لفعالياته وأنشطته ومطالبه. اشتمل هذا المكّون خليطاً متعدّد الثقافات والتوجهات والأطياف السياسية، إضافة الى شخصيات رسمية وممثلين في البرلمان، وأطلق على نفسه اسم «تجمّع الوحدة الوطنية»، وهو احتفل أمس بذكرى تأسيسه، كما احتفلت المعارضة قبل أسبوع بالذكرى الثانية للانتفاضة.


الغوص في «دهاليز» هذا «الغول» الطارئ على الساحة السياسية في البحرين، يقود إلى خيوطٍ معقدة بالغة الإحكام، ويشير الى أنه نتاج تحالف العائلة الحاكمة والثيوقراطية السلفية، يعمل كـ«حصان السَّبَق»، الذي يراهن عليه المتصارعون على القرار في أروقة قصر العائلة الخليفية الحاكمة.
قبل اندلاع الانتفاضة وتمترس المتظاهرين في «ميدان اللؤلؤة» كمقرّ مركزي للاعتصام، استعرت نيران الإرباك في أعمدة القصر الحاكم، وبدأ التخطيط والعمل لاستباق تحقيق الانتفاضة مطالبها، والعمل على إجهاض التحركات الشعبية، فكانت ولادة «الحصان الذهبي»: تجمع الوحدة الوطنية.
تنتمي أبرز شخصيات هذا التجمّع لجمعيتي «المنبر الإسلامي» (إخوان) و«الأصالة» (سلف)، اضافة الى شخصيات «ليبرالية ويسارية وقومية» مشكوك بهويتها هذه، ويتزعمها الشيخ عبداللطيف المحمود وأنصاره، بالإضافة الى عناصر موالية للسلطة ومنتمين للأجهزة الأمنية والمخابراتية ومجنسين وأجانب.
اتخذ التجمع «جامع الفاتح» مركزاً لانطلاقته لما يحمله المكان من رمزية تاريخية للعائلة الحاكمة؛ فالفتح يُشير الى انتقال عائلة آل خليفة عام 1783 للبحرين، أو كما يسميه البحارنة، السكان الأصليون، بـ«الغزو». كما أراد من يقف وراء هذا التجمّع من تأسيسه في «الفاتح» إعطاءه بعداً دينياً، ليكون حاملاً لواء «السياسة السنية» التي تخضع لـ«وليّ الأمر» الحاكم، وبالتالي تصوير الحركة المعارضة وكأنّها حركة «سياسية شيعية» تتبع «ولاية الفقيه». لكن رهانه الأول فشل في الشارع، حيث أسقطت المظاهر تصوره هذا؛ فكانت تُرفع في «ميدان اللؤلؤة» أعلام البحرين، وتعلو هتافات «بالروح والدم نفديك يا بحرين» و«مطالبنا وطنية»، بينما تنضح حناجر أنصار التجمع بـ«كلنا فداك يا بوعلي» و«خليفة خط أحمر»، في إشارة الى رئيس الوزراء، و«عاش جلالة الملك» و«لك الولاء أبو سلمان»، رافعين أعلام البحرين والسعودية والإمارات، تأييداً لتدخل قوات «درع الجزيرة» في المملكة.
ورُفعت في ساحة الفاتح صور للملك وابنه ولي العهد وعمّه، في ظل خليطٍ من آلاف البشر تختلف تبعيتهم ونصرتهم لأفرادٍ مختلفة من العائلة الحاكمة وحسب موقعه وقربه من القرار في أروقة القصر الخليفي.

ساحة «الشرفاء»

ومع تسارع وتيرة الأحداث، أوجد مؤسسو التجمع ساحة مساندة لأنشطتهم وفعالياتهم ومهرجاناتهم الخطابية، هي ساحة «الشرفاء» في منطقة البسيتين في شمال مدينة المحرّق، التي تمتاز حصريّاً بنسيجٍ اجتماعي متجانسٍ بين السنّة والشيعة. والمحرق هي مدينة تاريخية لها دورٌ نضاليٌ وطني بارز في حقبٍ مختلفة، أبرزها مرحلة محاربة الاستعمار البريطاني في خمسينيات القرن الماضي، لدرجة أنّه أُطلق عليها اسم «بورسعيد البحرين».
وصارت تُقام على أرض ساحة «الشرفاء» مهرجانات خطابية تحشيدية مرخصة من السلطة، بمشاركة شخصياتٍ دينية صوفية، أمثال الشيخ ناجي العربي، وقيادات من جمعيتي «المنبر الإسلامي»، أبرزهم ناصر الفضالة وهو برلماني سابق، و«الأصالة» أمثال النائب عادل. كما بزغ في هذه المهرجانات نجم العقيد المتقاعد عادل فليفل، الذي تم توجيه عدّة اتهامات له في قضايا تعذيب وقتل المعتقلين إبّان انتفاضة 1994، إلى أن غادر البلاد هارباً عام 2002، قبل أن يعود محميّاً بموجب المرسوم الأميري «56» الذي يعفيه من المحاسبة والمحاكمة عن قضايا التعذيب والقتل، والقضايا المتعلقة باستغلال الصلاحية في اختلاس أموال وعقارات، وذلك بفضل المحامي عبدالله عبدالرحمن هاشم، أحد مؤسسي «تجمّع الوحدة الوطنية».

رصد وتعقّب

حاول التجمع تسجيل حضورٍ بارز في الساحة السياسية على المستويين الداخلي والدولي، ولفت أنظار الخارج، وخصوصاً تونس ومصر والولايات المتحدة، عبر إطلاق صرخة خجولة بجملة «نحن هنا.. ولنا مطالب»؛ الشعار الذي أطلقه زعيمه آل المحمود. اللافت أن «هذه المطالب» التي رفعها التجمّع صيغت بلغة تختلف عن المعارضة، رغم أنّها تماهيها في الجوهر، مع عدم تأييد إقامة حكومة منتخبة.
وكلما خرجت مبادرة حوار أو مذكرة تفاهم بين السلطة والمعارضة، استنفر التجمّع جهوده وأطلق صيحاته «نحن أيضاً هنا.. ولنا مطالب»، «ونحن الرقم الصعب في المعادلة السياسية»، ليعود ويفرض نفسه كقوة أساسية في أي حوار أو حلّ. ويبدو أن نشاط هذا الفريق كان يحلو للسلطة لتبيّن أنّ المعارضة لا تمثل الشارع الأكثري كما تقول وانما هي جزءٌ منه، وأنّ هناك شارعاً له مطالبه الخاصة ولا يتوافق مع حراك «14 فبراير».
وعندما اقترحت الإدارة الأميركية على السلطة محاورة المعارضة، تعالت صيحات التجمع بتهميش الرئيس باراك أوباما لها، متهمة إياه بمحاولة إقصائه عن المشهد السياسي والمساهمة في تقرير مصير البلاد. ويرصد التجمّع تحركات المعارضة الخارجية؛ فكلما أرسلت الأخيرة وفداً الى العواصم العربية والغربية لحشد الدعم للمطالب الشعبية للضغط على حكومة المنامة، لحق بها وفد للتجمّع بتمويل من وزارة الخارجية البحرينية.

انشقاقات وخلاف

بما أنّ التجمّع لم يؤسس على بنيان ثابت، وكان وليد ظرف طارئ وورقة انتجتها السلطة لإجهاض الحراك الشعبي، كان طبيعياً أن تظهر في صفوفه الانشقاقات وأن يتمرّد بعض قادته على «صانعيه». لقد أعطى آل المحمود وأنصاره أنفسهم حجماً أكبر من ثقلهم الحقيقي سواء لدى العائلة الحاكمة أو في الشارع السنّي نفسه. وفي ظل هذه «اللوثة» المملوءة بداء «العظَمَة»، تصدّر المحمود الصحف التابعة للنظام والقنوات الفضائية المحلية والعربية الداعمة لـ«الثورة المضادة»، بعشرات التصريحات غير المدروسة والمليئة بالأخطاء الفادحة، فاختلق للإدارة الأميركية أسطولاً «سادساً» في إقليم الخليج لم يعثر عليه حتى الآن، وأخذ في شرح «خرائط جغرافية» للمدّ الصفوي، وحذّر من الخطر الإيراني المحدق بحكام الخليج وشعبه. وقال إن بعض الحكام والمتنفذين في الخليج يدعمون مؤامرة «أميركية ــ صهيوصفوية»، وهو الأمر الذي لم تستسغه العائلة الحاكمة. كما اعتبر بعض مؤسسي وقياديي التجمّع أن هذه التصريحات غير متزنة ومتهورة.
الانتقادات وبوادر الانشقاق هذه دفعت المحمود الى مزيد من التهور الى حدّ التطاول بتصريحات مبطنة ومعلنة على رئيس الوزراء، وتحديداً حين قال: «فئات رسمية من النظام تعمل على تأجيج وسلب الشعبية من التجمع والضرب في رئيسه»، وأنّ «هذه الجهات ترى أن يكون تجمع (فزعة)، وإذا أدّى دوره يقال له ارجع إلى بيتك». تصريحات أغضبت العائلة الخليفية ودفعت نحو التفكير بإقصائه.
وفي الوقت الذي كانت تجري ثيه داخل الأروقة الخليفية مؤامرات لتهميش أو إقصاء المحمود عن المشهد السياسي والإعلامي، بالإضافة إلى شخصيات أخرى انتهت صلاحيتهم، كان التنافس بين باقي الشخصيات على تصدّر قيادة التجمع على أشدّه، وذلك عبر التسابق في إظهار الولاء والموالاة للعائلة الحاكمة، بدءاً من الملك وولي عهده، مروراً بوزير الديوان وأخيه المشير، وانتهاءً برئيس الوزراء.
يمكن رصد هذه المنافسة في «حرب الصور» واللافتات الولائية الممتدة من ساحة «جامع الفاتح» الى مدينة المحرّق، والرّفاع والمدن. وبين الحين والآخر، ترتفع صورة المشير خالد بن أحمد آل خليفة، قائد «حملة التطهير»، وتارة أخرى صورة رئيس الوزراء أو صورة الملك وولي عهده. أما وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد، فهو بمثابة الجندي المجهول، الذي يحرّك أنصاره للحفاظ على «إيقاع اللعبة» في الشارع الموالي، والإمساك بزمام الحكم في قصور العائلة.
تزامن ذلك مع استقالات بالجملة من التجمع للمؤسسين والقيادات البارزة في الصف الأول أمثال، ناصر الفضالة وعادل عبدالله وعبدالله الجنيد والصحافي محمد العثمان (نائب الأمين العام). وعبّر الجنيد تحديداً عن سبب استقالته بطائفية التجمع وعدم حصوله على تبرير مقنع يمنع المشاركة في الحوار الأول الذي دعت إليه السلطة في تموز 2011. أما الصحافي العثمان، فقد انتقل لابن التجمّع «ائتلاف شباب الفاتح»، وخرج لاحقاً في آذار 2012 في ظروف يكتنفها الغموض الى لندن وطلب اللجوء السياسي. وقد لعب عضو اللجنة المركزية المحامي عبدالله هاشم ومستشاره الاستراتيجي عادل عبدالله دوراً مهماً في تفكيك قيادات التجمع بصياغة عريضة تطالب بإطاحة الأمين العام عبدالله الحويحي وجمع أكبر قدرٍ ممكن من التوقيعات على هذه العريضة.

تمخّض «الغول» فولّد «ائتلافاً»

في شهر آب 2012، وبعد جملة من الاستقالات الفردية والجماعية من قياديي ومؤسسي التجمع، وبعد إحساس الكثير منهم بالمزاحمة والتهميش والإقصاء من المناصب القيادية، إضافة إلى عدم الحصول على المكاسب «المرتقبة» من السلطة، انشقّ من يدّعون التهميش الى تشكيل «ائتلاف جمعيات الفاتح» المتمثلة في «المنبر الإسلامي الإخوانية» و«الأصالة السلفيّة»، وبعض الجمعيات الموالية للنظام التي طرأت على المشهد السياسي، كـ«ميثاق العمل الوطني» و«الصّف» (بقيادة عادل فليفل)، وجمعيات أخرى مستحدثة، ويستند هذا الائتلاف إلى ذراع شبابية أُطلق عليها اسم «شباب صحوة الفاتح».
وتم تبادل الأدوار بين الفصيلين في الحراك السياسي والإعلامي؛«ائتلاف جمعيات الفاتح» يقوم بالدور السياسي والتمثيل الرسمي والمناورة في جولات الحوار مع المعارضة، بينما أُنيط بـ«شباب صحوة الفاتح» الدور الإعلامي والتحشيد لنصرة فعاليات وأنشطة الائتلاف في مقابل الحراك الميداني لشباب الثورة.
هكذا «أُنهي» التجمّع بعد «تمرّده» وفضحه للسلطة على لسان زعيمه المحمود بقوله إن «السلطة استخدمتنا لضرب حراك المعارضة، ونحن في غفلةٍ عما يدور حولنا»، «ووُلّد» وريثه «ائتلاف جمعيات الفاتح» ليتابع تأدية الدور المنوط بهذه القوى وفق المسار الذي يرسمه حكام الجزيرة المتوّجون وغير المتوّجين.




«الفاتح» يحشد لذكرى تأسيسه


حشد «تجمّع الوحدة الوطنية»، أمس، من أجل المشاركة بكثافة في تظاهرة بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيسه في 21 شباط 2011، معلناً أنه يوم «للبحرين وكل البحرينيين».
وذكرت وسائل الإعلام البحرينية أنه لوحظ خلال الفعالية حضور قوي لرجال المرور من أجل تنظيم الحركة المرورية وتسهيل وصول الوفود الى عراد، حيث التجمع. وقالت إن المشاركين رفعوا أعلام البحرين والسعودية، وصوراً للقيادات السياسية، ولافتات تشكر رجال الأمن. وهاجم رئيس تجمع الوحدة الوطنية، عبد اللطيف المحمود (الصورة)، في خطابه المعارضة، قائلاً إن البعض يستغل السلبيات الموجودة في وطننا ويستقوي بالقوى الخارجية ليتحكم بالمشهد السياسي، كما حدث في لبنان، أو يمكّن تياره السياسي الطائفي من بقية مكوّنات الوطن، كما حدث في العراق.