استعادت الذاكرة السورية في ظل الحرب الراهنة أيام الـ«هوب هوب»، وهو نوع قديم ورديء من الحافلات، عُرفت في فترات ماضية من حياة السوريين بسوء خدمتها، حتى إن ركّابها كانوا أحياناً يضطرون إلى قطع المسافات الطويلة وقوفاً بداخلها.

ويعود الـ«هوب هوب» اليوم من باب المزاح، الذي يتندّر به السوريون عند الحديث عن الطيران الداخلي، وصعوبة الحصول على بطاقات سفر تُدفع لها مبالغ طائلة (تختلف بين سمسار وآخر) وذلك على الرغم من أنّ جميع عمليات البيع تجري عبر مكاتب الشركة السورية للطيران.

وليس يسيراً الحصول على إجابة شافية عند محاولة الاتصال بشركة الطيران، ليظهر أن الحلّ الأمثل هو بالذهاب إلى مركز الشركة، والانتظار ساعات طويلة، قد تنتهي بابتسامة الموظفين المرفقة بالقول: «نعتذر، انقطعت الكهرباء». عندها، يضطر المعني إلى العودة في اليوم التالي.
قد لا تجد هذه الأزمة حلّها إلا عبر شخص يقف في إحدى زوايا المكتب، يقترح عليك شراء دور «فلان» أو تسريع حجزك، ولكن بسعر أكبر، قد يصل إلى تسعة أضعاف سعر البطاقة الذي حدّدته الشركة. وعلى نحو عام راوحت، خلال الشهر الماضي، أسعار بطاقات السفر بين دمشق والقامشلي ما بين 25 و50 ألف ليرة سورية، فيما لا يتجاوز سعرها الذي حدّدته الشركة السبعة آلاف ليرة.
يوضح سعيد، وهو من الأشخاص الذين يسافرون كثيراً إلى مدينة القامشلي، أنّ لديه معارف في الشركة، الأمر الذي يسهل عليه مهمة الحصول على بطاقة، فيما ينتظر الآخرون ساعات أحياناً دون أمل. ويشير إلى أنّ هذا الوضع فتح الباب أمام السوق السوداء، مشيراً إلى أنّ أحد أبرز الأسباب يكمن في «الحجز اليدوي»، وفي عدم وجود «ربط فضائي» مع دمشق.

وصلت أسعار بطاقات السفر بين دمشق والقامشلي إلى 50 ألف ليرة سورية

ويبيّن سعيد أنّ ما يزيد الوضع سوءاً يكمن أيضاً في كثرة عدد المسافرين، وأن السفر من القامشلي باتجاه دمشق لم يعد ممكناً براً، بعدما قطعت الطريق على يد العصابات المسلحة، واشتدّت الصراعات بين العناصر المتحاربة. ويضيف الرجل خلال الحديث أن «بعض السماسرة يلجأون إلى أسلوب ترويج الشائعات. فهم يزيدون من نشر الأخبار المخيفة بشأن الطريق ومخاطر السفر براً». ويلفت إلى أن هؤلاء «يروجون لشائعات من نوع آخر حين يتحدثون عن مسافرين اعتذروا عن رحلاتهم، وبقيت أماكنهم شاغرة، الأمر الذي يدفع بالكثيرين للذهاب إلى المطار، والانتظار هناك، ما يبرر الازدحام الكبير في المطار. فالعشرات من الناس يأملون الحصول على مقعد فارغ تركه صاحبه في آخر لحظة، حتى لو كلفهم ذلك ثمناً كبيراً».
من جانبه، يفضل أحمد السفر براً من مدينة القامشلي، برغم التكلفة المرتفعة أيضاً، فضلاً عن المخاطر، بسبب سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» وغيره من الجماعات التي ارتكبت الجرائم بحقّ الأكراد والسريان المسيحيين، على غالبية الطرقات بين الشمال والعاصمة. ويشير إلى أنّ الحصول على تذكرة سفر ليس بالأمر السهل «إذ يسجَّل الاسم أولاً، وبعد عدّة أيّام يجري الحصول على موعد أوّل رحلة، وقد تكون بعد أسبوع أو عشرة أيام».
وفي مجال الطيران الداخلي، لا تقتصر السوق السوداء على القامشلي وحدها، لكنها الأبرز بين بقية المحافظات. ويؤكّد أصحاب المكاتب السياحية أنّ السفر خارج البلاد أيضاً ليس بأفضل حال، والانتظار لساعات في مكاتب السورية للطيران بات جزءاً من الرحلة.
ويستغرب شيار الحديث عن السوق السوداء الناشئة، لأنّ الحجز محصور فقط بالشركة الحكومية في شارع الوحدة في القامشلي، وما من مكاتب خاصة تؤدي هذه المهمة، وفقاً له. ولحل المشكلة، وعد وزير النقل، غزوان خيربك، بافتتاح مكتب ثان في الحسكة.
ويضيف شيار بأنّ حلّ المشكلة يكمن «في الربط الفضائي بين هذه المكاتب ومكتب دمشق، وبذلك لا يمكن للموظفين التلاعب بالحجوزات، إضافة إلى الحجز الإلكتروني»، كما أنّ من «الضروري تأمين الطريق البري، وهذا الأمر غير متاح، لوجستياً، في الوقت الحالي».
وذكر مصدر في مؤسسة الطيران العربية السورية، أنّ السبب في هذه الظاهرة هو عجز المؤسسة عن إيجاد توازن بين العرض والطلب على تذاكر السفر. فحتى لو سيّرت الشركة عشر رحلات يومياً، لن تنجح في تغطية الضغط الحاصل، لذلك بات سماسرة تذاكر السفر يجمعون بعضهم بعضا ضمن حلقات متتابعة لا يمكن حصرها. ويوضح المصدر، أنه برغم البحث في شكاوى السوق السوداء، لم يتمكنوا من ضبط أي أحد بعد، بسبب تشعّب حلقات السمسرة والفساد، ولعدم تعاون الركّاب مع المؤسسة، لدرجة أنهم لا يعطون أسماء مكاتب السفر التي سمسرت على بطاقاتهم، وذلك خوفاً من هؤلاء الفاسدين.