يبدو أن العراق بات مقبلاً على مرحلة جديدة، بعد تثبيت سلطات الحكم، سيكون عنوانها الرئيسي: الدور الأميركي في البلاد. فبعد بدء الضربات الجوية الأميركية في شهر آب الماضي، بزعم الحد من سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» ومنعه من التقدم باتجاه إقليم كردستان، أصبح الحديث راهناً عن آليات التعاون بين القوات الأميركية وقوات الجيش العراقي لتحقيق الهدف المزعوم ذاته.


بالأمس، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن مسؤولين أميركيين، قولهم إن القوات العراقية مدعومة بالقوات الجوية الأميركية و«المئات من المستشارين»، يعدّون لهجوم كبير، من المفترض أن يتم خلال الربيع المقبل، بهدف «فض احتلال تنظيم الدولة الإسلامية لشمال العراق وغربه، إضافة إلى فرض سيطرة الحكومة العراقية على مدينة الموصل وضمن تجمعات سكانية أخرى، فضلاً عن السيطرة على طرق رئيسية في البلاد وعلى الحدود مع سوريا».
وفيما يشير التقرير إلى النجاحات التي حققتها القوات العراقية وقوات «البيشمركة» في عدد من المناطق، إلا أن «الدعم الأكبر، الذي جرى البحث فيه بمساعدة من المخططين العسكريين الأميركيين، سيحتاج خلال الأشهر المقبلة إلى تدريب ثلاث فرق من الجيش العراقي (أكثر من عشرين ألف عنصر)».
ولفتت الصحيفة الأميركية إلى أن «الاستراتيجية الأساسية» تدعو، بداية، إلى مهاجمة تنظيم «الدولة الإسلامية» بهدف عزله في معاقل كبيرة مثل الموصل، الأمر الذي يسهل استهدافه إثر تقطيع أواصر روابطه الممتدة بين سوريا والعراق.

تعدّ العشائر في
العراق جزءاً أساسياً من القتال ضد «الدولة الإسلامية»
وتشرح أنه لمتابعة الاستراتيجية الأميركية، فإن «فريقاً جديداً أنشئ بقيادة الجنرال جيمس تيري... الذي سيدير فريقه من قاعدة في الكويت»، مضيفة إن الجنرال بول فانك سيدير فريقاً من بغداد مهمته الإشراف على مئات من المستشارين والمدربين الأميركيين.
وبرغم حديث «نيويورك تايمز» الذي بات يشير إلى دور أميركي ميداني أوسع، فإن السفير الأميركي لدى بغداد، ستيوارت جونز، اعتبر، في تصريح صحافي أمس، أن «العراق ليس بحاجة الى قوات تحالف برية لأن القوات العراقية كافية لدحر الإرهاب». لكن عموماً، فإن ما يبدو من تناقض بين الحديثين قد يشير إلى أن الدور الأميركي في الميدان العراقي لن يتوسع في المدى المنظور ليشمل نشر قوات برية، بل سيعتمد بداية على آليات التعاون التي من شأن «المستشارين الأميركيين العسكريين» أن يخلقوها خلال عملهم إلى جانب القوات العراقية.
في غضون ذلك، فإن أي توسيع مرتجى للعمليات العسكرية بهدف تحقيق أهداف كبيرة، مثل الوصول إلى مدينة الموصل، يفترض أساساً إعادة تحديد أطر العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد والعشائر العراقية، إضافة إلى إحياء مشروع «الحرس الوطني»، وهما ملفان عراقيان سياسيان لا يزال مصيرهما غامضاً، لتطرح بالتالي أسئلة عديدة بشأن تقرير الصحيفة الأميركية.
في هذا الوقت، وبانتظار أي عمل عسكري تقوده القوات العراقية، يبدو أن تنظيم «الدولة الإسلامية» يواصل تنفيذ سياساته الإقصائية حيال أي دور مناهض قد تقوم به العشائر بالتعاون مع الحكومة المركزية في بغداد. وتعد عشائر ما يعرف بالمحافظات الغربية في العراق جزءاً أساسياً من القتال ضد «الدولة الاسلامية»، وقد حمل بعضها السلاح ضد التنظيم في مناطق يسيطر عليها، أو قاتلته الى جانب القوات الحكومية في مناطق أخرى للحؤول دون سيطرته عليها.
وأعدم التنظيم في الساعات الأخيرة 36 فرداً إضافياً على الأقل من «عشيرة البونمر» في غرب العراق، بحسب ما أفاد زعيم عشائري بارز، وذلك في أحدث عمليات القتل الجماعي التي أودت بالمئات من أبناء هذه العشيرة خلال الأيام الماضية.
ومن المعروف أن الغموض لا يزال يكتنف مصير المئات على الأقل من أبناء البونمر الذين خطفوا أو فقدوا بعد سيطرة التنظيم المتطرف على بلدة هيت في محافظة الأنبار الشهر الماضي، إثر معارك مع العشيرة والقوات العراقية. وقد قتل التنظيم خلال الأيام العشرة الماضية على الأقل المئات من أبناء هذه العشيرة، إلا أن الأرقام حول عدد هؤلاء تباينت بحسب المصادر. ومع عمليات القتل الجديدة، بات هذا الرقم يراوح بين 250 فرداً من العشيرة؛ بينهم نساء وأطفال كحد أدنى، وأكثر من 400 كحد أقصى.
وفي حديث إلى وكالة «فرانس برس»، قال آمر فوج الشرطة في منطقة البغدادي القريبة من هيت، العقيد شعبان العبيدي، إن «تنظيم الدولة الإسلامية خطف نحو ألف شخص من عشيرة البونمر خلال اجتياحهم هيت»، وإنه يقوم حالياً «بإعدام نحو خمسين فرداً من هؤلاء المخطوفين كل يوم».
وفي سياق متصل، كشف رئيس مجلس محافظة الأنبار، صباح كرحوت، عن قرب تنفيذ «عملية عسكرية واسعة لتحرير قضاء هيت»، مشيراً إلى أن «جميع عشائر الأنبار استجابت لنداء إغاثة عشيرة البونمر وبدأت تطوع أبناءها للدفاع عن المحافظة»، لافتاً إلى أن «هناك مباحثات مع التحالف الدولي لتسليح عشائر الأنبار».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)