بغداد | انتظر العراقيون أن يحمل إليهم يوم أمس خبر تشكيل الحكومة الجديدة، وإذا بهم يتلقون خبر تعثر حيدر العبادي في جهوده بعد فشل المفاوضات في اللحظات الأخيرة بين التحالف الوطني وتحالف القوى الوطنية. وفيما رجح تحالف القوى الوطنية استبدال العبادي، أكدت مصادر في التحالف الوطني أن الأخير بات في موضع «الدفاع عن التكليف»، ولا سيما أن هناك تحذيراً إيرانياً بالجملة الصريحة: «لن نقبل اعتذار المُكلف، وعلى الجميع فهم المعطيات الميدانية على الأرض، ما هو على الأرض سيكون هو الموقف في السياسة».


وأكدت مصادر لـ«الأخبار» أن مفاوضات تشكيل الحكومة «لم تنهَر بالمجمل» أو «عادت إلى نقطة ما قبل تكليف العبادي»، موضحة أن انفراط التوافق بشأن الاتفاق، نتيجة «تمايزات في الرؤية إلى الاستحقاقات» و«اختلاف وجهات النظر داخل الكتل نفسها».
الرسالة الإيرانية الشديدة اللهجة التي وجهتها طهران إلى التحالف الوطني، وإلى بعض القيادات السُّنية عبر قنوات أمنية، وضعت الجميع في حالة ضغط، ولا سيما أن الموقف الدولي والأميركي يدعم التوجه الإيراني، ويعي أن انفراط الحكومة يقابله انفراط الجهد الدولي الذي تقوده واشنطن لمواجهة «الدولة الإسلامية».
خلال اليومين الماضيين، كانت التطمينات تصل من المصادر السياسية، بأن الحكومة ستعلن ضمن المهلة الدستورية رغم المعوقات، لجهة رغبة التحالف الوطني في تمثيل العبادي للعراق في المؤتمر الذي تعتزم فرنسا عقده خلال الشهر الجاري، وتحييد دور نوري المالكي في حال فشل تشكيل الحكومة، والعودة إلى البحث عن مُكلف جديد.
وعلى ذمة مصدر سياسي في التحالف الوطني، طلب عدم الكشف عن اسمه في حديث لـ«الأخبار»، أن «طهران أبلغت جميع مكونات التحالف بأن انتهاء المهلة الدستورية بفشل تشكيل الحكومة، أمر غير مقبول، ويجبرها على التدخل بقوة إلى حسم الملف الحكومي، لجهة المحافظة على التقدم الكبير على الأرض في الجبهات شمال بغداد».
ولفت إلى أن «طهران مستاءة من طريقة التعامل التي يدير بها التحالف الوطني بتقديم تنازلات غير منطقية للكتل الأخرى تتجاوز حجم التمثيل الحقيقي».
وتشتد المعارك وراء الكواليس لفرض مرشحين، والحصول على وزارات، وحتى اللحظة، فإن وزارة الداخلية ما زالت من حصة اتحاد القوى الوطنية (القوى السُّنية). ويقول النائب عن التحالف الوطني، عباس البياتي (ائتلاف دولة القانون)، لـ«الأخبار» إن «التحالف جعل من أساسيات التفاوض أن تكون وزارة الدفاع من حصته، ولن يتراجع عن هذا الاستحقاق، لجهة أن الوزارة مسؤولة عن عملية محاربة الإرهاب بشكل أساس».
لكن مرشح حقيبة الدفاع بات «عقدة» الأطراف الشيعية، فائتلاف دولة القانون يُصِر على أن يتسلمها الأمين العام لمنظمة بدر، هادي العامري (وزير النقل الحالي).
ويُبين نائب في كتلة بدر النيابية (طلب عدم الاشارة إلى أسمه) لـ«الأخبار» أن «ترشيح العامري جاء استجابة للمطالب الشعبية بعد النصر الكبير الذي تحقق في آمرلي، ولأن الرجل يمتلك خبرة قتالية وعسكرية، وتاريخه الجهادي بالقتال ضد النظام السابق يؤهله لتولي هذا المنصب».
غير أن مصدراً مُطلعاً على مباحثات التحالف الوطني، كشف لـ«الأخبار» أن «الولايات المتحدة عبر سفيرها في بغداد، أبلغت الرئيس المُكلف العبادي، بعدم موافقتها على تولي العامري وزارة الدفاع»، مضيفاً أن «واشنطن عبّرت عن امتعاضها من محاولات فرض العامري»، مستدركةً أنها «لا تضع خطاً أحمر على توليه اي وزارة اخرى غير أمنية».
الرفض الاميركي، فسح المجال امام المجلس الاعلى الاسلامي العراقي، بطرح مرشح بديل، هو رئيس كتلة المواطن التابعة للحزب، النائب باقر جبر الزبيدي، وفقاً لمصدر مقرب من الأخير.
ومن المستبعد أن تمنح حقيبة الدفاع لأي مرشح من المجلس الاعلى او التيار الصدري، لجهة الفيتو الأميركي ـــــــ الإيراني المشترك على عدم تولي الصدريين اي وزارة أمنية، ولجهة رفض ائتلاف المالكي تسليم زمام وزارة أمنية للمجلس الاعلى بزعامة عمار الحكيم.
المصدر نفسه لفت إلى أن «المجلس الاعلى ساوم على منحه وزارة المالية مقابل سحب الزبيدي كمرشح للدفاع»، غير أن المجلس يعيش لحظة حرجة داخلياً لحرصه على «المشاركة في الحكومة المقبلة بعد أن ظل بعيداً عن اي تمثيل وزاري له طوال 8 اعوام ماضية وتهميش المالكي له». وأشار إلى أن «المجلس الاعلى قدّم مرشحين عنه لشغل حقيبة النفط، هما القيادي عادل عبد المهدي، ووزير النفط الاسبق ابراهيم بحر العلوم». غير أن سفن المجلس تسير على غير ما تشتهي رياح ائتلاف دولة القانون، الذي عَدّ وزارة النفط أيضاً من حصته على اساس امتلاكه اكبر تمثيل شيعي داخل التحالف الوطني بـ(103 مقاعد).
الصفقة محيّرة، والمجاهيل كثيرة في لعبة تقاسم الحصص الوزارية، وبين التسليم بمنح (السُّنة) وزارة الداخلية، باتت ورقتهم التفاوضية عبئاً صعباً على عاتق العبادي والتحالف. وعلى الرغم من الوعود الاعلامية بإعلان الحكومة خلال «ساعات»، أبلغ سياسي كبير في التحالف الوطني «الأخبار» بحصول مفاجأة من العيار الثقيل، هي أن «التحالف تحوّل من عملية تسهيل مهمة تشكيل الحكومة إلى العرقلة للحفاظ على حصة الشيعة في الحكومة ونسبة تمثيلهم فيها».
المصدر السياسي أكد أن «التحالف يتعرض لضغوطات كبيرة للغاية من قبل اطراف دولية وكتلتي القوى الوطنية والكردستانية، وارتفاع سقف المطالب وعدم واقعيتها، وتجاهلها اعمال تطهير المدن السُّنية من الإرهاب، جعلت التحالف يعيد النظر في سياسة التفاوض». واستدرك بالقول إن «طهران لا تقف بالضد من التحالف، لكنها تحذر من مغبة انتهاء المهلة الدستورية دون تشكيل الحكومة، وهو ما ترفضه على نحو مطلق».
وتتهم القوى السُّنية الرئيس المُكلف بـ«عدم الجدية»، معلنة تشكيل «لجنة عليا لحسم القرار» منبثقة من لجنة التفاوض التي تعرضت لـ«فضيحة» أن بعض اعضائها من النواب طرحوا أسماءهم كمرشحين وزاريين، فضلاً عن الدخول بمساومات مالية كبيرة لترشيح اسماء لتولي حقائب وزارت كالصناعة والكهرباء التجارة.
وقالت القوى، في بيان تلقته «الأخبار» أمس، إن «تلك اللجنة فوّض إليها التحالف اتخاذ القرارات المناسبة، وتضم رئيسه أسامة النجيفي، ورئيس البرلمان سليم الجبوري، والنائبين صالح المطلك وجمال الكربولي»، معربة عن «التحفظ من عدم جدية العبادي في تحقيق مطالب المحافظات الست المنتفضة».
ووفقاً لمصدر نيابي تحدثت اليه «الإخبار»، فإن واحداً من المطالب المرفوضة من قبل التحالف الوطني، هو «وقف الحكومة لكافة الاعمال العسكرية في المحافظات التي تشهد انهياراً أمنياً، ووقف القصف الجوي والمدفعي، وسحب الميليشيات الشيعية».
وفي سياق متصل، أكد القيادي في تحالف القوى الوطنية، خالد المفرجي، وجود خلافات على نقطتين من ورقة الحقوق «السنية»، هما «موضوع العفو العام وقانون المساءلة والعدالة».