أسئلة كثيرة حملتها ساعات التهدئة الـ72 التي وافقت عليها أمس إسرائيل والمقاومة معاً. أي ضمانات أعطيت للوفد الفلسطيني المفاوض جعلته يقبل بما رفضه قبل نحو أسبوع: وقف نار، ولو مؤقتاً، قبل الموافقة على مطالبه وفي مقدمها رفع الحصار؟ وأي ضمانات أعطيت لتل أبيب لتسارع إلى إرسال وفدها المفاوض إلى القاهرة، في ظل إعادة تموضع لقواتها على تخوم القطاع، غير آبهة لاحتمال استئناف المقاومة لعملياتها؟ فهل أعطيت الفصائل ما تريد تحت الطاولة، في مقابل حفظ ماء وجه النظام المصري؟


كثيرة هي المؤشرات التي تدحض استنتاجاً كهذا، أولها عقلية نظام المشير، التي تلتقي مع آمال إسرائيل ورغبات الولايات المتحدة الأميركية، وتنسجم مع أمنيات قطرية ــ تركية في استعادة دور إقليمي مفقود: إما تدمير «حماس» أو تدجينها، فهل نكون أمام محاولة لإحكام الحصار السياسي على المقاومة الفلسطينية، لتفريغ انتصارها العسكري في الميدان من مضمونه. «حماس» أكدت، بما لا يدعو للبس، أن من شروط الهدئة انسحاب الاحتلال من المناطق التي احتلتها خلال العدوان ووقف الطلعات الجوية وإدخال المساعدات الغذائية إلى القطاع، وذلك خلال فترة 72 ساعة تبدأ في الثامنة من صباح اليوم يجري خلالها «مفاوضات أكثر شمولاً». تصريح نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، من العاصمة المصرية، كان لافتاً عندما أكد أن «الضامن في اتفاقات وقف النار المقبلة هو الجهة الراعية، مصر، وسلاح المقاومة أيضاً».

اقتصرت المقاومة على ذكر أن الضمانات المطروحة سلاحها ووجود مصر



ونقلت مصادر فلسطينية لـ«الأخبار» أن الأجواء الإيجابية كانت مخيمة على الحوار الذي قاده مدير المخابرات المصرية محمد التهامي، وإن شهد الاجتماع بعض التلاسن من جهة القيادي في حركة «حماس» وعضو الوفد محمد نصر القادم من قطر، إلى جانب مداخلات من القيادي عماد العلمي الذي يصنف على أنه الأقرب في الحركة إلى إيران، «لكن جرى استدراك الأمر». رغم ذلك، انتهى الاجتماع بعد أربع ساعات على التوافق على المطالب، على أن يجري عرضها على نائب وزير الخارجية الأميركية وليام بيرنز، في وقت كشف فيه مسؤول مصري عن أن القاهرة تجري اتصالات مكثفة مع إسرائيل للسماح لعضو المكتب السياسي لـ«حماس» خليل الحية والقيادي في «الجهاد الإسلامي» خالد البطش بالتوجه إلى مصر.
في الجانب المصري (القاهرة، إيمان إبراهيم)، ذكر مصدر أمني لـ«الأخبار» أن لقاءات التهامى بالوفود الفلسطينية جاءت لتثبيت مواقفهم بشأن المطالب التي تقدموا بها أول من أمس «بعد موافقتهم رسمياً على المبادرة المصرية الخاصة بالتهدئة بين الفلسطينيين وإسرائيل، خاصة بعد ظهور خلافات بين وفود الفصائل».
كذلك لفت المصدر إلى أن اللواء التهامي سيجلس أيضاً مع ممثل واشنطن في المباحثات، فرانك لوانستين، «ومن المنتظر أن تبدأ المفاوضات تحت سقف المبادرة المصرية خلال ٤٨ ساعة»، ناقلاً أن رئيس الوفد الفلسطيني عزام الأحمد (فتح) أكد أن هناك إجماعاً بين الفصائل على أن حل الأزمة سيكون انطلاقاً من مبادرة القاهرة، «والنقطتان الأساسيتان في المفاوضات هما وقف الحرب ورفع الحصار عن غزة، أما التفاصيل فستبحث في وقت لاحق». كذلك أعاد قبول السلطة أن تكون إدارة معبر رفح شأناً مصرياً ـ فلسطينياً خالصاً.
مصادر في «حماس» أكدت لـ«الأخبار» أن كتائب القسام رغم التزامها التهدئة فإنها لن تتوانى عن الرد على أي توغل أو عملية برية «حتى لو استلزم الأمر العمل ما بعد الحدود».
وحتى مساء أمس كان جيش العدو لا يواصل هجماته التي أدت (منتصف الليل) إلى استشهاد 1850 فلسطينياً معظمهم من المدنيين ووصول الإصابات إلى أكثر من 9 آلاف، وخاصة بعد اختراق الاحتلال هدنته الإنسانية التي أعلنها أمس بعد دقائق من بدئها بقصف منزل عائلة البكري وقتل طفلة عمرها ثمانية أعوام. في المقابل، واصلت المقاومة الرد وأطلقت نحو 70 صاروخاً وقذيفة أمس إلى جانب تواصل الاشتباكات على محاور وجود قوات الاحتلال في بيت حانون (شمال) ورفح (جنوب) ومحاور اشتباك أخرى.
وكان الحدث اللافت أمس انتقال شظايا الأحداث في غزة إلى القدس المحتلة، إذ قتل مستوطن إسرائيلي وأصيب آخرون عندما صدم فلسطيني جرافة يقودها بحافلة إسرائيلية قبل أن يستشهد برصاص الشرطة والمستوطنين، وهذا هو الهجوم الأول الذي تشهده القدس منذ ثلاثة أعوام، لكنه ليس جديداً بنوعه.
وبعد هذا الحادث، أطلق رجل يقود دراجة نارية النار على جندي إسرائيلي في منطقة جبل المشارف (حي استيطاني شرقي القدس)، فأصيب الجندي بجروح خطرة وهرب منفذ العملية.
على المستوى السياسي، اختتم أمس في طهران أعمال مؤتمر وزراء خارجية لجنة فلسطين في منظمة دول عدم الانحياز لبحث العدوان الإسرائيلي على غزة. ودعا المشاركون من 50 دولة منها قطر والأردن ولبنان المحكمة الجنائية الدولية للتدخل ومحاكمة إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها بحق الإنسانية.
أيضاً، سجل رد فعل أميركي وأوروبي قوي على الهجوم على غزة، إذ قال وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس أمس إن «حق إسرائيل بالأمن لا يبرر قتل أطفال أو ارتكاب مذبحة بحق المدنيين». أما الولايات المتحدة، فقالت إنها «روعت للقصف المشين لمدرسة تابعة للأونروا في رفح». ورأى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أن هذا القصف «يشكل انتهاكاً فاضحاً جديداً للقانون الإنساني الدولي، وهو أمر مشين من الناحية الأخلاقية وإجرامي».
(الأخبار)