مشهد مارون الراس عام 2006 في جنوب لبنان يكرر نفسه. هذا ما خلصت إليه القناة العاشرة العبرية، بعد إعلان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي مقتل 13 جندياً من لواء غولاني، في اشتباكات متفرقة خاضها اللواء مع الفصائل الفلسطينية، في حي الشجاعية في غزة. انضم القتلى الجدد إلى خمسة آخرين، قتلوا قبل ساعات في اشتباكات سابقة على حدود القطاع، ليرتفع العدد إلى 18.


«كارثة غولاني»، كما سماها الإعلام العبري، غيّرت المشهد الميداني في اليوم الثالث على بدء العملية العسكرية البرية، وبدلاً من أن يؤمن العسكر رافعة ميدانية تمكن القيادة السياسية في تل أبيب من فرض إملاءاتها وشروطها، بدا المسؤولون الإسرائيليون في موقف الدفاع عن قرار التوغل وتبرير الخسائر، في حين وصفت صحيفة «هآرتس»، «عمليات الشجاعية» بأنها قد ترسم وجه المعركة بين إسرائيل و«حماس».
وفي التفاصيل، أشارت وسائل الإعلام العبرية إلى أن القتلى الـ 13، بين جندي وضابط، لم يسقطوا دفعة واحدة وفي موقع واحد. وبحسب مصدر عسكري إسرائيلي، صدرت الأوامر في اليوم الثالث للعملية البرية، بتوسيع العمل داخل القطاع وإدخال قوات كبيرة خلال ساعات الليل، لتنفيذ عمليات أبعد من المناطق المفتوحة القريبة من السياج، وما إن بدأت القوات تقترب من حي الشجاعية، في الواحدة من فجر السبت ـــ الأحد، حتى بدأ الفلسطينيون يفعّلون ما أعدوه مسبقاً، وأطلقوا صاروخاً مضاداً للدروع باتجاه آلية مدرعة تابعة للكتيبة 13 من «غولاني»، فأصابها إصابة مباشرة وقتل من بداخلها على الفور، وهم سبعة جنود، وبعدها بعشرين دقيقة، في حادث آخر مماثل، قتل ثلاثة جنود، بينهم ضابطان، الأول نائب قائد كتيبة، والثاني ضابط العمليات في لواء غولاني جراء صاروخ آخر مضاد للدروع أطلق باتجاه قوة الكتيبة51 من «غولاني»، فيما قتل جنديان آخران من اللواء نفسه بنيران قنص، وآخر في اشتباك عن قرب.
وتحدثت الأنباء الإسرائيلية أنه جراء الاشتباكات والكمائن الفلسطينية، في حي الشجاعية تحديداً، سقط إضافة إلى القتلى الـ 13، 89 جريحاً من الجنود والضباط نقلوا جميعاً إلى المستشفيات، فيما أشار المراسلون العسكريون إلى أن 10 جرحى من بينهم، جروحهم خطيرة وفي وضع حرج، ومن بين الجرحى قائد لواء غولاني نفسه، الذي وصفت حالته بالمتوسطة، وكان قد جرى نقله من مكان إصابته تحت النار بواسطة آلية مدرعة، قبل أن ينقل بالمروحية إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع.
«القناة العاشرة» العبرية أشارت في تقرير لمراسلها العسكري بعد الإعلان عن «كارثة غولاني»، الى أن اليوم الثالث للعملية البرية كان أصعب أيام المواجهة الحالية مع الفلسطينيين، وهو يذكر بحرب لبنان الثالثة عام 2006، تلك الذكرى اللبنانية السيئة والمعارك القاسية التي شهدتها كل من مارون الراس وبنت جبيل، وبحسب المراسل، يمكن القول إن «الجيش الإسرائيلي توغل إلى داخل التشكيل الدفاعي لحركة حماس في الشجاعية، وهو أصلب نقاط قوتها في غزة، وهذا التوغل لم ينجح في مباغتة حماس لأن خطوات إسرائيل العسكرية كانت متوقعة لديها، إذ يظهر أن حماس كانت مستعدة إلى أبعد حد في هذه المنطقة»، كاشفاً أن «الفلسطينيين لم يكتفوا بالعمليات وجبي الثمن من الجيش، بل حاولوا دون نجاح خطف جثث الجنود التي كانت في الميدان قبل إنقاذها إلى الخطوط الخلفية».
وتساءلت القناة في تقريرها عما يفعله الجيش في الشجاعية، وهل كان قرار الدخول إلى هذا الحي بتفويض من المجلس الوزاري المصغر؟، مشيرةً إلى أن هذه العملية بدت مختلفة تماماً عن عملية الرصاص المسكوب، لأن الفلسطينيين تجهزوا جيداً ضمن تشكيلات دفاعية معدة جيداً، مع إشباع المنطقة والمقاتلين بصواريخ «آر بي جي» متطورة ومزدوجة الرأس، وصولاً إلى صواريخ كورنيت أكثر تطوراً، الأمر الذي مكنهم من جباية ثمن باهظ جداً من الجيش الإسرائيلي. وبحسب مراسل القناة للشؤون العسكرية، فإن الجيش الإسرائيلي، إلى الآن، لا يقرّب في أفعاله وعملياته، حتى البرية منها، «حماس» من نقطة الانكسار المطلوبة.




من هو أبو عبيدة؟

أبو عبيدة المتحدث باسم كتائب القسام (حماس)، صاحب الكوفية الحمراء. هو شاب في بداية العقد الثالث من عمره جرى تعيينه متحدثاً باسمها بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005. صاحب البنية العريضة كان قائداً ميدانياً بارزاً في القسام ومن أوائل المطلوبين في قوائم الاغتيال الإسرائيلية. ويرى قادة الاحتلال أنه الشريان الرئيسي للحرب النفسية التي تفرضها «حماس». وقد اشتهر بالعبارة الختامية لمؤتمراته الصحافية بمقولة: (إنه لجهاد نصر أو استشهاد). هو حذيفة سمير الكحلوت، الحاصل في السنة الماضية على رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية من كلية أصول الدين، تحت عنوان «الأرض المقدسة بين اليهودية والنصرانية والإسلام».
طوال اليومين الماضيين، واصلت إسرائيل اختراق الفضائيات الفلسطينية؛ ومنها «الأقصى» التي عرضت فيها شخصية المتحدث باسم القسام. ومع أنه صار معروفاً لدى المحيطين به، فإنه يصرّ على لبس الكوفية الحمراء اقتداءً بالشهيد عماد عقل أحد مؤسسي «القسام»، وذلك على خلاف المتحدثين الآخرين كأبو أحمد (سرايا القدس) وأبو مجاهد (ألوية الناصر) الذين يظهرون بوجوههم.
استهدف الجيش بيت أبو عبيدة في حرب 2008، لكن لم ينقل أحد بعد أن بيته تعرض للقصف في هذه الحرب 2014 وإن كان منزل عائلته الأساسية قد قصف.