قبل تعيينه مبعوثاً خاصاً إلى إيران، كتب روبرت مالي، المدير السابق لـ"مجموعة الأزمات الدولية"، مقالة مشتركة مع ستيفن بومبر، مدير السياسة في المجموعة والمسؤول السابق في إدارة باراك أوباما، نُشرت في مجلّة "فورين أفيرز"، بعنوان "التواطؤ في المذبحة: كيف مكّنت أميركا الحرب في اليمن؟"، تُسلّط الضوء على الدور الكبير الذي اضطلعت به الولايات المتحدة منذ اللحظة الأولى لإعلان الحرب من واشنطن فجر الـ 27 من آذار/ مارس 2015. والمقالة التي كُتبت قبل إعلان الرئيس الأميركي، جو بايدن، إنهاء دعم بلاده للتحالف السعودي ــــ الإماراتي الذي يقود هذه الحرب، كرّست هامشاً واسعاً لقرار الرئيس الجديد باعتباره تحصيل حاصلٍ، لكون القرار شكَّل أساساً في التسويق لسياسة بايدن الخارجية التي ستراعي قطعاً جزئياً مع تلك التي اتّبعها سلفه دونالد ترامب. يطرح الكاتبان مجموعة تساؤلات تدور في فلك "الموازنة بين القلق والطمأنينة" مع الحلفاء الخليجيين، وما يعنيه عمليّاً هذا التراجع المتأخّر.

حصلت السعودية سريعاً على ضوء أخضر أميركي لإطلاق حربها ضدّ اليمن. في نهاية آذار من عام 2015، جاء المسؤولون السعوديون يشتكون من مخاطر حركة "أنصار الله" ودعم إيران لها. لكن الرسالة التي نقلها هؤلاء إلى البيت الأبيض حملت طابع العجلة والتهديد بأن المملكة ستمضي بخطوتها منفردةً، بدعم أميركي أو من دونه، على رغم أنها كانت تنتظر الردّ بالإيجاب. ساد اعتقاد لدى المسؤولين الأميركيين بأن الرياض تبالغ في تقدير دور طهران، ولم يكن لديهم أوهام حول القدرات الهشّة للقوّات السعودية، على رغم تزويدها بسلاح أميركي حديث. ينقل مالي وبومبر عن مسؤول كبير سابق قوله: "كنّا نعلم أنّنا ربّما نركب في سيارة مع سائق مخمور". ومع ذلك، ركبت الولايات المتحدة، وفي اعتقادها، بحسب الكاتبين، أنه يمكنها تقديم توجيهات رصينة، فضلاً عن الإمساك بالعجلة عند الضرورة.
قامت الولايات المتحدة بدور كبير في اليمن منذ البداية؛ ففي محاولتها تجنّب صدع مع حليف مهمّ، "انتهت إدارة أوباما، التي حاولت الابتعاد عن مشاكل المنطقة، جزءاً منها ومتواطئة مع أسوأ الصراعات فيها"، على حدّ تعبير مالي وبومبر. أوصى فريق أوباما للأمن القومي بالإجماع بالمضيّ قُدماً في مساعدة السعودية في حملتها. وأعلن البيت الأبيض أنه سمح بـ"توفير الدعم اللوجستي والاستخباري" لـ"التحالف"، عبر خليّة تخطيط مشتركة سيتم إنشاؤها في الرياض. مع مرور الوقت، سيصبح واضحاً للأميركيين أنهم أساؤوا تقدير التحدّي الذي سيواجهونه للحدّ من العمليات السعودية وأثرها على المدنيين والعمليات الإنسانية. وإلى جانب دعم عبد ربه منصور هادي "الموثوق به في مكافحة الإرهاب" والتقرّب من الحلفاء الخليجيين، وخصوصاً الإمارات، اعتقد المسؤولون الأميركيون أن دعمهم سيترجَم "اعتدالاً" على الأرض، وسيحدّ من الخسائر. وبحسب توجيه أوباما، يجب أن تخدم المساعدة الأميركية غرض حماية وحدة الأراضي السعودية، وهو ما يجعل المساعدة "دفاعية" في جوهرها.
ووسط ضبابية الجهود لاحتواء كارثة إنسانية متفاقمة، ما لم تفعله أميركا هو الانسحاب. في الأشهر الأخيرة من عهدها، اتّخذت إدارة أوباما عدداً من الخطوات لإحياء المسار الدبلوماسي، ومنها مبادرة جون كيري التي انتهت إلى الفشل. كان ذلك "قليلاً جداً ومتأخّراً جداً"، بحسب الكاتبين اللذين يعتبران أن بايدن يواجه معضلة في اليمن. فقد وقّع كبار أعضاء فريقه، بمَن فيهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي جايك سوليفان، رسالة في عام 2018 (وقع عليها الكاتبان أيضاً) يعترفان فيها بفشل سياسة إدارة أوباما في اليمن. كمرشّح للرئاسة، تعهّد بايدن نفسه "بإنهاء دعم الولايات المتحدة للحرب الكارثية التي تقودها السعودية في اليمن وبأن يأمر بإعادة تقييم علاقتنا" مع المملكة، كما تعهّد بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. وهي تحرّكات ستؤدي حتماً إلى إثارة التوترات مع الرياض. ومع ذلك، يرى مالي وبومبر أن الإدارة "ملتزمة بإنهاء الحرب في اليمن والتفاوض على اتفاق متابعة مع إيران في شأن القضايا الإقليمية، وهي خطوات تتطلّب بحكم تعريفها العمل عن كثب مع الرياض". وعلى حدّ تعبير سوليفان، يجب أن يكون الهدف هو "الموازنة بين القلق والطمأنينة". ويدعوان الولايات المتحدة إلى إظهار المرونة في محادثات السلام، ليس كشرط للانضمام إلى الاتفاق ولكن كخطوة من شأنها أن تُخفّض التوترات الإقليمية وتبني الثقة. ومن بين العناصر المدرجة في قائمة مهمّات الإدارة الجديدة في المنطقة، فإن اليمن واحدة من تلك التي قد تكون أكثر نضجاً لإحراز تقدُّم، وهذا لا يعني، على أيّ حال، أن "الجهد سينجح". فإحدى المشكلات تتضمّن تحديد مقدار الطمأنينة التي يجب أن تقدّمها واشنطن للرياض وشركائها؛ "كان هذا هو المبرِّر الذي دفع إدارة أوباما إلى دعم حملة السعوديين في المقام الأول". ويرجع ذلك، وفق الكاتبين، إلى أنه سيكون من الصعب تحديد عناصر الدعم الأميركي للحملة التي تقودها السعودية وتلك التي يجب أن تتوقّف. ويتساءلان: "ما الذي يشكّل دفاعاً عن السعودية، وما هو الذي يُعدّ هجوماً؟ على أيّ جانب من الخطّ يسقط اعتراض شحنات الأسلحة للحوثيين؟ ماذا عن تبادل المعلومات الاستخبارية التي بإمكان السعوديين استخدامها لاستهداف مواقع إطلاق صواريخ الحوثيين، أو مساعدة السعوديين في صيانة طائراتهم؟"، ليخلصا إلى أن قرار إنهاء الدعم للحرب في اليمن لا يجيب عن هذه الأسئلة. ويذكّران بأن أوباما سعى أيضاً إلى رسم مثل هذه الفروق، لكنه انتهى إلى الانجرار إلى معركة أوسع.

وسط ضبابيّة الجهود لاحتواء كارثة إنسانيّة متفاقمة، ما لم تفعله أميركا هو الانسحاب


من هنا، بإمكان فريق بايدن "الإفادة من تجربة أوباما، ويمكنه أن يصبح أكثر تحفّظاً في شأن الظروف التي يكون فيها مستعداً لتقديم المساعدة". والمكان الجيّد للبدء هو أسس الشراكات الأمنية الأميركية في الخليج، كما يعتقد مالي وبومبر. أعطت واشنطن ضمانات بعيدة المدى بأنها ستدافع عن السعودية ودول الخليج الأخرى، "ورتّبت لوضع ترسانة كبيرة من الأسلحة الأميركية في يد الخليجيين. بسبب الطريقة التي تتمّ فيها هيكلة تلك الشراكات، فعندما تختار إحدى هذه الدول أن تشنّ حرباً غير حكيمة، وخصوصاً عندما يكون هناك منطق دفاعي، ستواجه الولايات المتحدة خياراً صعباً. هل ينبغي أن تنضمّ إلى الجهد الحربي لإظهار أنها وفيّة لضماناتها ومحاولة التأثير على كيفية استخدام أسلحتها؟ هل ترفض المشاركة مع الاستمرار في السماح بتدفق الأسلحة والمساعدات؟ أم ينبغي عليها قطع الدعم والمجازفة بتمزيق علاقاتها مع شريك إقليمي، مع الاعتراف بأن مورِّدي الأسلحة المحتملين الآخرين مثل الصين أو روسيا أو تركيا قد يتدخلّون؟". هذه هي نوعيّة الأسئلة التي يجب دراستها في إعادة تقييم العلاقات الأميركية ــــ السعودية التي وعد بها بايدن، يقول مالي وبومبر. وفي قلب تلك المراجعة، سيكون حساب "أيّ من المسارَين يخدم مصالح الولايات المتحدة بشكل أفضل؟".