لم يَدُم التفاؤل الحذر، الذي رافق أولى جولات عمل اللجنة المصغّرة المنبثقة عن «اللجنة الدستورية» السورية (انتهت في 8 من الشهر الحالي)، طويلاً. إذ سرعان ما بدت الصورة مغايرة تماماً مع انطلاق شكلي للجولة الثانية يوم الإثنين الماضي. وفي ظلّ غياب بوادر أيّ انفراجة قريبة، يُرجّح انفضاض عقد المجتمعين بتجميد غير معلن لهذا المسار، في انتظار فكفكة عدد من العقد الدولية والإقليمية.

مُني مسار «اللجنة الدستورية» بانتكاسة مبكرة. صحيح أن اجتماعات الجولة الثانية للجنة المصغّرة لم تنتهِ رسمياً بعد، غير أن معطيات الأيام الثلاثة الأولى منها توحي بأن أفضل ما يمكن انتظاره قبل إسدال الستار عليها هو التوافق على موعد للجولة المقبلة. كانت الجولة الراهنة قد انطلقت اسمياً يوم الإثنين الماضي (25 تشرين الثاني/ نوفمبر)، غير أنها لم تشهد أيّ نشاط توافقي فعلي، فيما لا تنبئ المؤشرات بأن ذلك سيحدث في الأيام الثلاثة المتبقية (تنتهي الجولة يوم السبت). وعلى الرغم من أن التوقّعات كان محسوماً تحقّقها لجهة صعوبة المسار، وحضور الاختلافات والخلافات فيه (راجع: «الأخبار»، 2 تشرين الثاني)، فإن الفخّ الأول الذي اعترض اللجنة المصغّرة جاء أبكر وأشدّ صعوبة من المتوقّع.
ثمّة أسباب جوهرية (ولو كانت غير مباشرة) كثيرة يُردّ إليها هذا التعثر، على رأسها أن مسار «الدستورية» في الأصل ليس سوى مرآة عاكسة كبيرة للتوافقات والخلافات في الملف السوري بأكمله. وإذا كان تشكيل اللجنة قد عكس لحظة توافق نادرة بين اللاعبين المؤثرين، فإن تطوّرات خلافية عدة عادت لتفرض نفسها على الملف السوري في خلال الشهر الأخير. من بين أبرز تلك التطورات، جاء الالتفاف المتكرر على قرار سحب القوات الأميركية من سوريا، وهو بدوره أحد انعكاسات الصراع المستمر بين إدارة الرئيس دونالد ترامب ودولة الأمن القومي الأميركية. وترك هذا الالتفاف آثاراً سلبية على جملة مسارات توافقية، ميدانية وسياسية، مثل التفاهمات الأميركية – التركية، والمحادثات بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية»، في مقابل ارتفاع متوقّع لأسهم التوافقات الروسية – التركية.

تضع مصادر وفد دمشق ما يدور في جنيف في إطار «تعنّت» وفد المعارضة


ويجدر إدراج انسداد الأفق الراهن في «جنيف» ضمن هذه السلسلة المعقّدة من التوازنات. ويبدو أن المبعوث الأممي، غير بيدرسون، قد أفلت خيوط التوازنات الدقيقة في مرحلة حسّاسة، ليحصد نقمة روسية بالغة التأثير. وترى مصادر دبلوماسية مواكبة لتطورات المالف السوري أن «بيدرسون قد استشعر قدرةً غير موجودة فعلياً على تجاوز اللاعب الروسي في بعض التفاصيل»، فيما تردّ مصادر سورية من أوساط «المجتمع المدني» النقمة الروسية على المبعوث الأممي إلى محاولته «نسب نجاح الجولة الأولى من عمل اللجنة الدستورية إلى نفسه، من دون أيّ إشارة إيجابية إلى الدور الروسي». وربما كان هذا التفصيل بالفعل أحد أسباب الانتقاد الروسي الحادّ الذي وجّهه وزير الخارجية، سيرغي لافروف، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه إلى سوريا، وبتزامن لافت مع انطلاق أعمال اللجنة المصغّرة. وكان لافروف قد حذّر، يوم الإثنين الماضي، من «خطر التدخلات الخارجية وفرض حلول من الخارج على السوريين»، مطالباً غوتيريش وبيدرسن بـ«إيقاف المحاولات من هذا النوع بكلّ حزم».
ويبدو جليّاً أن الموقف الروسي المذكور يأتي في إطار موقف مشترك مع دمشق من الأداء الأممي في المرحلة الراهنة. ويدلّل على ذلك تقييم وفد دمشق إلى اللجنة المصغّرة للعملية المتعثرة. وتضع مصادر من داخل الوفد ما يدور في جنيف في إطار «تعنّت» وفد المعارضة، معتبرة أن أداء الأخير «يميل إلى الاستعراض عبر الإعلام». وضمن الإطار نفسه، تؤكد مصادر دبلوماسية سورية إلى «الأخبار» وجود «تجاوزات» ذات صبغة إعلامية، من أجل التأثير في عمل «الدستورية». وتقدم المصادر عدداً من الأمثلة، من بينها وجود حساب باسم «اللجنة الدستورية السورية» على موقع «تويتر»، يقوم بـ«الترويج دائماً للوفد الآخر، ويقدم روايات مغلوطة عن حقيقة وأسباب التعثر الحالي في عمل اللجنة». من جهتها، تلفت مصادر من وفد دمشق، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن الوفد قد «أثار مع (المبعوث الأممي، غير) بيدرسون عدداً من التجاوزات لمدونة السلوك المتفق عليها، في محاولة لتوجيه أعمال اللجنة وفق أجندات خارجية»، مشيرة على وجه الخصوص إلى مشاركة العضوة في اللجنة المصغّرة، صباح الحلاق (من قائمة المجتمع المدني)، في جلسة لمجلس الأمن، وإلقائها كلمة هناك. في المقابل، تعتبر مصادر معارضة أن «كل هذا الكلام ليس سوى محاولات للتعمية على قرار النظام تعطيل عمل اللجنة الدستورية»، وتضع الأمر في إطار «رفض النظام المستمر لأيّ حلّ سياسي، ولو حاول الإيحاء أحياناً بعكس ذلك».
ولا توحي المعطيات المتوافرة في كواليس جنيف بأيّ انفراجة محتملة الحدوث في الأيام القليلة القادمة. ويرخي التشاؤم بظلاله حتى على «إمكانية التوافق على موعد انعقاد الجولة المقبلة»، الأمر الذي يبدو أنه قد بات «سقف طموحات» فريق المبعوث الأممي. ويواصل الفريق سعيه إلى تدوير الزوايا، أملاً في الخروج ولو بجلسة شكلية يتيمة تجمع الوفود الثلاثة للقول إن العملية مستمرّة والاتفاق على موعد قادم. وليس متوقّعاً أن يذهب أحد الوفود نحو تصعيد إضافي، عبر مغادرة جنيف قبل انتهاء الموعد الرسمي المفترض للجولة، حتى ولو لم يحدث أيّ خرق للانسداد القائم، ما يعني أن النتيجة المرجّحة هي ترك الأمور معلّقة في انتظار ما ستفضي إليه استحقاقات قادمة مرتبطة بالملف السوري، ومن بينها لقاء محتمل بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والمبعوث الأممي، علاوة على جولات خلف الأبواب المغلقة في عدد من العواصم المؤثرة، فيما ينبغي ترقّب جولة «أستانة» القادمة (الموعد المحدّد حتى الآن هو 10 و11 كانون الأول/ ديسمبر المقبل) لاستشفاف أبرز ملامح الميدان السوري في المرحلة المقبلة، مع ما تحمله من تأثير حتمي على المسارات السياسية. ولا يزال «أستانة»، حتى الآن، أكثر المسارات تأثيراً ملموساً ومباشراً في الخريطة الميدانية والمشهد السياسي أيضاً. وتحافظ جبهتان سوريتان على التهابهما، هما إدلب وشرق الفرات، واللتان يحظى «لاعبو أستانة» بقدرة على التأثير فيهما، ولو بنسب متفاوتة.