خلال زيارتي للعاصمة الليبية، منتصف حزيران/ يونيو الماضي، ساعدني صديق ليبي، سأسمّيه هنا محمد، في تنظيم لقاء مع قائدَين في «لواء المحجوب»، إحدى أكبر المجموعات المسلحة من مصراتة، المدينة الساحلية الواقعة شرقي العاصمة وتبعد عنها حوالى 200 كيلومتر. كان محمد مقاتلاً في اللواء، فرافقني إلى القاعدة الخلفية للاجتماع بالقرب من مطار طرابلس الدولي، الذي يقع جزء كبير منه تحت سيطرة قوات موالية لخليفة حفتر. «لواء المحجوب» هو واحد من بين ثمانية تشكيلات على الأقل، لها خلفيات مناطقية مختلفة، تحارب قوات حفتر في المطار. وبالنظر إلى تقاتل الكثير من هذه القوى على امتداد الأعوام الماضية، يبدو جديراً فهم علاقاتها بعضها ببعض، وكذلك التوترات في ما بينها.

السؤال لقادة اللواء كان: لماذا لا تحقق قواكم تقدماً كبيراً؟ تشابهت الإجابات مع تلك التي سمعتها في لقاءات مع أعضاء مجموعات مسلحة أخرى وقادتها، أجمعوا على أن الحرب ضد حفتر وحَّدت قوى غرب ليبيا، التي لم تكن الثقة بينها معدومة، علماً بأنها لم تختر الحرب ولم تتجهز لها، لكن بعد سعي حفتر إلى السيطرة على العاصمة بالقوة، لم يكن لها خيار غير القتال. وهي تقاتل بالأسلحة والذخائر التي استولت عليها من مخازن معمر القذافي عام 2011، قوات حفتر التي أمدّتها الإمارات ومصر لأعوام بأسلحة متطورة.
ويشير محمد إلى أنه يوجد نقص في الذخائر، وأن حكومة الوفاق تقدم دعماً محدوداً للقوى التي تقاتل حفتر. ويتساءل: لماذا لا توفر السلطات ذخائر، ولا تعوّض المجموعات عن العربات التي دُمّرت خلال القتال؟ هل تنوي إطالة أمد الحرب؟ تتشابه مخاوف محمد مع ما سمعته من قادة مجموعات أخرى تقاتل حفتر، وتتردد في استعمال مخزوناتها الكبيرة من الذخائر. إذ يعتبر أغلبهم أن الدعم الذي حشدته الحكومة من تركيا متواضع بالمقارنة مع الإمدادات غير المحدودة المتوفرة لحفتر. ويشك هؤلاء في أن الحكومة تستخدم الحرب لاستنزاف ترساناتهم، لذلك يسعون الى الحفاظ على مخزونات أسلحتهم لاستخدامها في الدفاع عن مدنهم أو في محاربة بعضهم البعض في حال تغيّر الصراع.
أغلب المقاتلين والقادة الذين تحدثت إليهم متطوعون، ويبدون مقتنعين حقاً بالقضية. وتنحدر أغلب القوى من البيئات المتماسكة نفسها التي دعمت الحرب ضد القذافي، ولها تقريباً القيادة عينها. وبعد عام 2011، تحوّل تحالفها إلى صراع سلطة ضمن تحالفات مؤقتة. لكن، على رغم هشاشة التحالف الحالي، إلا أنه ليس انتهازياً؛ فبالنسبة إليها، يمثل حفتر جزءاً كبيراً مِمَّن حاربوا ضدهم عام 2011. وينطبق ذلك أيضاً على الانقسامات المحلية التي عادت إلى الواجهة مع الحرب الحالية، إذ تنحدر أغلب قوات حفتر من المنطقة الغربية، من جماعات عاشت حرب 2011 كهزيمة وإهانة، حيث عانى بعضها من التهجير القسري وأشكال أخرى من العقاب الجماعي على أيدي القوى الثورية.
ومنذ عام 2011، شهدت صراعات ليبيا بروز مقاولي الحرب والميليشيات المفترسة. وشكل بعض هؤلاء جزءاً من القوى الثورية التي تقاتل حفتر. حاول بعضهم استغلال مطالب القوى الأخرى من الحكومة المتصلة بالتمويل وتوفير إمدادات الأسلحة لتحقيق أرباح شخصية، وهم يعملون اليوم على إذكاء الامتعاض الواسع للمقاتلين والقادة من الفساد والتهاون الحكومي استعداداً للصراعات السياسية المستقبلية. لكن يبدو أن لدى هذه القوى وعياً أكبر وعزماً على عدم السماح بتكرار استخدامها لأغراض ضيقة كما حصل في صراعات سابقة.
يوجد أيضاً نفور متفشٍّ من الإسلاميين، وهو لم يبرز فقط إثر الحرب ضد «داعش» في سرت، بل كذلك نتيجة ما يراه كثيرون انتهازية سياسية للحركات الإسلامية المعتدلة التي تحالفت معها هذه القوى الثورية في حروب عامي 2011 و2014. وعلى عكس التصور الشائع الخاطئ، حضور الإسلاميين ضمن القوى المعارضة لحفتر اليوم ضئيل.
إن كان احتمال سيطرة حفتر على طرابلس غير واقعيّ، على رغم الدعم الخارجي الضخم، فإن ذلك يعود أساساً إلى تماسك المجموعات المسلحة المناوئة له وإصرارها على مواجهته. لكن «تضحياتها» تمهّد الأرض أيضاً لحصول انقسامات مجتمعية وصراعات جديدة. فبقدر تجذر هذه القوى في جماعاتها المحلية، يبدو أيضاً أن بعض البلدات في غرب ليبيا داعمة بشكل كبير لحفتر، فيما مدن أخرى، كالزنتان وصبراتة، منقسمة بشكل عميق، حيث يشارك مقاتلون منها على جانبي الحرب.
(ولفرام لاشر، موقع «سمول أرمز سورفاي»، بتصرف)