حطت أول من أمس، طائرة وزير المواصلات والاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في عمان، وقبل أن يعرض خطته التجارية «للسلام» على مُضيفه السلطان قابوس بن سعيد، تجوّل في المسرح والمتحف الوطنيين في مسقط. لكن زيارته ليست لترف التفرّج والتعرّف إلى حضارة البلد وثقافته؛ وإنما هي بدعوة رسمية للمشاركة في مؤتمر الاتحاد العالميّ للمواصلات، الذي تستضيفه عُمان هذه الأيام، وهو يشارك فيه من أجل طرح مشروع «سكك الحديد» الذي سيربط بين إسرائيل والأردن والسعودية وصولاً إلى دول الخليج.

المشاركة الإسرائيلية في المؤتمر المنعقد في أرض عربية، تعبّر عن دفء العلاقات وتنامي التطبيع مع تل أبيب؛ فهي تأتي بعد عشرة أيام على زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو ولقائه قابوس، كما تتناغم مع التوجيهات الأميركية التي عبّر عنها صراحة، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى المنطقة، جيسون غرينبلات، من خلال دعم بلاده الكامل لمشروع «سكك السلام»، بحجة أنه يعزز الحوار في المنطقة ويقوي تناغم الدول (في وجه إيران). وهو ما اعتبره كاتس «تبنياً رسمياً أميركياً لخطته، وخطوة مهمة جداً في هذا المسار».
أمّا تبرير وزير النقل والاتصالات العُماني، أحمد بن محمد الفطيسي، في حديث للإعلام المحلي، لوجود كاتس على أراضيه بادعاء أن بلاده «اضطرت» لدعوة الأخير للمشاركة في مؤتمر دولي للمواصلات، فلم يعد ذا قيمة، بل يعزز أكثر حقيقة الشراكة بين الجانبين. ففي المؤتمر عرض الوزير الإسرائيلي خطة «سكك حديد السلام»، الهادفة لربط الدول العربية بدءاً من الأردن وصولاً إلى الخليج، من أجل «تحقيق السلام وتعزيز الاقتصاد» وهو كما قال، فإن «وجوده في عُمان بمهمة خاصة من نتنياهو، لعرض مبادرة ربط دول الخليج بإسرائيل والبحر المتوسط، وذلك في إطار الجهود والمساعي لتعزيز المحور المعادي إيران، من خلال تطبيع العلاقات من منطلق القوتين السياسية والاقتصادية».
طرح كاتس ليس جديداً؛ إذ سبق أن عرض خطته لإحياء «سكة الحجاز» قبل أشهر عدّة، ومن المفترض أن يبدأ في العام المقبل صرف الميزانية البالغة قيمتها حوالى خمسة ملايين دولار أميركي، والتي خصصت للمشروع الذي يربط بين قطار مرج ابن عامر (الجليل الأسفل) ومعبر «الشيخ حسين» الحدودي مع الأردن. كل هذا في إطار المخطط الإسرائيلي لربط دول عربية، عن طريق الأردن، بميناء حيفا، بهدف «تحويل إسرائيل إلى مركز إقليمي للنقل البحري» والاستفادة من كل العوائد المادية التي ستتدفق من دول الخليج.
وفيما يجري اليوم نقل البضائع من الأدرن عن طريق الشاحنات، إلى مينائي حيفا وأسدود، فإن المشروع الجديد يتضمن إقامة محطة شحن ضخمة، تستقبل البضائع التي تصل من الأردن عن طريق «قطار المرج» ونقلها مباشرة إلى ميناء حيفا.
وبحسب تقرير سابق لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن شركة «قطارات إسرائيل» قد باشرت العمل، بعدما شكّلت طاقماً للتخطيط وإدارة للمشروع، لرسم وإنشاء مسار سكة الحديد، ومحطة الشحن، ومحطة المسافرين. ومع استكمال سكة الحديد سيرتبط ميناء حيفا مباشرة بالحدود الشرقية، بحيث يسهّل الحركة المتواصلة للتجارة بين شرق فلسطين المحتلة وغربها بواسطة القطار الذي سينقل البضائع براً. لكن هذا ليس إلا بداية للمشروع الذي سيمكّن «قطار مرج إبن عامر» من أن يصبح مستقبَلاً ممرَّ المواصلات الإقليمي لحركة البضائع بين الخليج والشرق الأوسط. وبتعبير كاتس ستشكل سكك الحديد «رابطاً مع البحر المتوسط، وجسراً للسلام، من خلال ربط مينائي حيفا وأسدود بالأردن، ومن هناك إلى سواحل دول الخليج؛ حيث تصبح إسرائيل جزءاً من مسار التجارة البحرية حول الجزيرة العربية، ومنها إلى أوروبا عبر المتوسط».



كاتس كان قد عبّر عن رؤيته، قائلاً إن «ربط السعودية ودول الخليج والأردن بالبحر المتوسط عبر حيفا، أمر يجعل من إسرائيل مركزاً إقليمياً للنقل البحري. وهذا يعزز الاقتصاد الإسرائيلي». كذلك، أشارت الصحيفة إلى أن الحديث يدور حول «مشروع إستراتيجي يسمح بتوسيع حركة التجارة بين دول الخليج وموانئ البحر المتوسط، وأن انتعاش التجارة بين هذه الدول وبين إسرائيل له دلالات واسعة تشكل رافعة اقتصادية لتعزيز التجارة القائمة، ورافعة لتحقيق السلام الاقتصادي في الشرق الأوسط، ومدخلاً لتقوية العلاقات الدبلوماسية». كما أن المشروع سيتيح عبوراً برياً آمناً، ويوفر على الدول العربية على المستوى الاقتصادي، للوصول إلى شواطئ المتوسط؛ إذ أن طول المسار البحري الذي يبدأ من الميناء المركزي في السعودية، الدمام، ليصل إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس، يبلغ 6000 كيلومتر، بينما عن طريق اليابسة عبر إسرائيل للوصول إلى ميناء حيفا، يبلغ فقط 600 كيلومتر. الأمر الذي يشكل ضربة اقتصادية للقناة المصرية.
المشروع الإقليمي لكاتس إذاً ، مخطط له، كما أشار الوزير نفسه في تصريحات سابقة، بالتعاون مع الولايات المتحدة واليابان والصين وتركيا ودول أوروبية، وهو ليس فقط من أجل تعزيز الاقتصاد وتقويته بما يعود بالنفع على إسرائيل أولاً ودول الخليج ثانياً، وإنما لما له فوائد أخرى من الناحية الأمنية الاستخباراتية «التعاون مع الجميع لمواجهة خطر ايران»، كما قال كاتس.
هذه التطورات، تأتي في قمّة السعد الذي تعيشه إسرائيل هذه الأيام، والفضل فيه يرجع لدول الخليج طبعاً، التي لم تعد تستحي من إظهار علانيّة علاقاتها مع تل أبيب. فخلال شهر، افتتحت أبو ظبي عاصمة الإمارات، «شهر العسل» مع إسرائيل، أبكَت وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية، ميري ريغف، من «هول» الفرحة. الوزيرة التي أغرقت عينيها الدموع، تأثراً بعزف نشيدها الوطني في عاصمة عربية لأول مرّة، عبّرت عن سعادتها وهي تتجول في مسجد «الشيخ زايد» في العاصمة، بدعوة رسمية من سلطات ولي العهد، محمد بن زايد. نسي هؤلاء أنها هي نفسها من دفع «بقانون الآذان» للتصوت في الكنيست، بحجة أن «نباح كلاب محمد (أذان الصلاة في المساجد كما وصفته)» يُزعج المستوطنين الإسرائيليين.
ثم استكملت الدوحة ما بدأته جارتها، وما بدأته هي نفسها بالسر، فاستقبلت علناً وفداً رياضياً من إسرائيل ليلعب على أراضيها «الجمباز»، بينما كان أفراد الفريق أنفسهم جزءاً من جيش يلهو بأجساد الفلسطينيين بالقتل والقنص والاعتقال. بعد ذلك، استضافت ضباطاً إسرائيليين للمشاركة في مؤتمر سياسي ــ اقتصادي. أمّا مسقط، فكانت محط رحال نتنياهو، بمرافقة رئيسي جهازي «الشاباك» و«الموساد». وقبل أن يُعلن أن البحرين هي المحطة المقبلة التي ستكون في استقباله... فهل نشهد مستقبلاً مراسم قص الشريط لافتتاح سكة قطار الحجاز؟