القاهرة ــ الأخبار | مثّل رفع علم قوس القزح أو علم «الفخر» المعبّر عن المثليين، في حفل موسيقيّ الأسبوع الماضي في القاهرة، حدثاً مهماً أثار الجدل في «المحروسة» في الأيام الأخيرة، وما لبث السجال الذي اشتعل في الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي أن تحوّل إلى حملة أمنية جديدة.


وبدت الدولة المصرية في هذا الملف تستغل نقاط ضعفٍ في الشارع المصري مرتبطة بالدين و«الأخلاق»، مستفيدةً من الحدث لتبييض صورة السلطة الواقعة في مرمى الانتقادات ليلاً ونهاراً بسبب سوء أدائها، لا سيما في ملف الغلاء وزيادة الضرائب التي طاولت أخيراً بطاقات شحن الهواتف، ما يزيد من العبء على الفئات الفقيرة.
ووضعت الدولة كل الملفّات «الساخنة» جانباً، وتفرّغت لملاحقة المثليين، صوناً لـ«الأخلاق العامة». ولكن مرة جديدة، أثبتت أجهزة الدولة خللاً في الأولويات، فبدت متفرغة لقضايا لا تمثل تهديداً جدّياً إلا أنها تخترق منظومة التزمّت الديني في المجتمع.


ألقي القبض على ستة أشخاص بـ«تهمة» المثلية

وقررت الحكومة أن تعود إلى المعركة مع المثليين بعد هذا الحفل، في مجتمعٍ لا ينقصه أصلاً تضييق على الحريات الشخصية باسم السلطة تارة، والأخلاق طوراً. هذه المعركة هي محاولة جديدة لفرض الحصار على شباب لا يصرّحون في الغالب عن هويتهم الجنسية خوفاً من الاضطهاد. لكن المواجهة الحالية ليست الأولى من نوعها على هذا المستوى؛ فمنذ ثلاث سنوات، وبعد عودة الاستقرار الأمني بشكل نسبي عقب إطاحة حكم «الإخوان المسلمين»، تبنّى الأمن المصري حملة على المثليين، خصوصاً الشبّان منهم، عبر تنفيذ مداهمات لأماكن مشهورة بارتياده بعضهم لها، إضافة إلى ملاحقتهم عبر التطبيقات الإلكترونية المسجّلين عليها. لكن هذه الحملة ما لبثت أن تراجعت بشدة لاحقاً، لا سيما مع الانتقاد الحقوقي الذي طالها، قبل أن تتوقف بشكل شبه كامل، لتعود مجدداً بداية الأسبوع الماضي.
وخلال الأيام الماضية، ألقت الشرطة القبض على ستة شبّان، منهم خمسة كانوا في شقة واحدة في القاهرة، بعد تحرّيات أمنية. أما الشاب السادس فصدر بحقه حكم بالحبس ست سنوات بعد أقل من 72 ساعة على ضبطه، إذ قيل إنّ «أحد ضباط الشرطة انتحل شخصية مثلي عبر الإنترنت للإيقاع به».
قانونياً، عادةً ما تُصدر المحاكم أحكاماً سريعة نسبياً في هذه القضايا، خصوصاً في وقائع «التلبّس»، فيما يخفف الحكم عند الطعن فيه، لكن لا يعمل على هذه القضايا سوى عدد محدود من المحامين، فيما لا تقل عقوبة المثلية في القانون المصري عن ستة أشهر حبس كحد أدنى وثلاث سنوات حداً أقصى. ويمكن مضاعفة المدة بناءً على إضافة اتهامات أخرى مثل «التحريض على الفسق والفجور»، وغيرها من الاتهامات التي تتم إضافتها في محاضر الضبط.
لم يجد المثليون من يدافع عنهم في الدولة سوى «الاشتراكيين الثوريين». حتى إن المجلس القومي لحقوق الإنسان تبرّأ منهم، معتبراً المثلية «ممارسات غريبة على المجتمع المصري»، في تصريحات متفرقة صدرت لبعض أعضائه، فيما استغلّت الأجهزة الرسمية مساندة «الاشتراكيين الثوريين» للمثليين لتصفية حسابات سياسية معهم وإظهارهم كتيار «يعادي الدين ويخرب أخلاق المجتمع المصري».
مصدر أمني قال لـ«الأخبار» إنّ تعليمات صارمة صدرت بضرورة ملاحقة المثليين والقبض عليهم بعد ما حدث في الحفل «وأثار حفيظة القيادة السياسية»، مشيراً إلى أن هذه التعليمات يتم تطبيقها بحسم «وسيتم ضبط أعداد كبيرة خلال الفترة المقبلة».