وحدهم أولئك الذّين عشقوا فلسطين عادوا إليها، رغم الحصار ورغم الاحتلال يعودون إليها، بشتى الطرق. لا تهمّ جنسياتهم ولا هويّاتهم ولا معتقداتهم، فالدّم في سبعينيّات القرن الماضي قد اختلط بين عربيّ وأعجميّ وأمميّ، حتّى أمست فئة دمّ كلّ ثوار العالم.. فلسطينيّة! فرانكو فونتانا أو "جوزيف إبراهيم" كما عُرف في سنة 1969، إيطاليّ ولد في مدينة بولونيا عام 1946 وجاء إلى لبنان عام 1969 على اثر العمليّات الفدائية التّي كان ينفذها الفدائيون الفلسطينيّون جنوب لبنان.


انضم فونتانا إلى الجناح العسكري للجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين وأصبح مقاتلاً في القوات المسلّحة الثورية. استبسل «جوزيف» في مواجهة العدوّ الإسرائيليّ في الجنوب اللبناني. بقي فونتانا في لبنان مقاتلاً فدائياً، حتّى عام 1982 حيث عاد بعدها إلى موطنه في ايطاليا بعد خروج الفدائيين من بيروت. حمل فرانكو معه ذكريات وطنٍ اكتسبه، وأحبّه وسرعان ما عاد إليه. عاد فرانكو منتصف الشّهر الماضي إلى لبنان، وذلك بعد أربعين سنةٍ من الغياب رافقته فيها أخبار بيروت وأهلها، وهموم فلسطين وشعبها. في زمن السلم لم يتوقف فرانكو عن النضال، وحاول قدر استطاعته نشر القضية ومساندتها من وفي ايطاليا. عاد فرانكو راسماً ابتسامته البريئة وحاملاً روحه الطيّبة التّي أصبح يهواها الصّغار والكبار. أكل وشرب ونام في مخيّم مار الياس الفلسطينيّ. رغب في زيارة جنوب لبنان كثيراً، لكنّه لم يحظ بفرصة، "سأزوره في السنة المقبلة " قال فرانكو قبل أن تغتاله الجلطة الدّماغية بساعات. " كان أبي يردد دوماً أنّه يريد العودة والموت بينكم، أنا سعيدةٌ لأجله لقد مات حيث تنتمي روحه" قالت ابنته. مات فرانكو فونتانا صاحب العينين الدامعتين دوماً، ولكن برغم ذلك لم تفارقهما الابتسامة حتّى في أقسى لحظاتهما. مات وقد أرهقته فكرة فراق بيروت والعودة إلى وحدته مجدداً. مات بعدما أتعبه فراق الرفاق الذّين وعدهم ووعدوه، بأنّه سوف يرحل معهم إلى فلسطين. فلسطين التّي أحبّها دون أن يراها، فعاش إيطاليّ الهويّة، ومات ودفن فلسطينيّ الهوى.