غزة | «أنا ما بدي أموت بس بدي يحسوا بوضعنا»، آخر كلمات نطق بها الشرطي في حكومة «حماس» (ن. ق. ــ 35 عاماً)، وهو يردّ على الأطباء الذين التفوا حوله لإنطاقه الشهادتين، بعدما لاحظوا تدهور حالته إثر وصوله إلى مستشفى «الشفاء» في غزة، وكان يعاني حروقاً غطت 85% من جسده، وفق تقدير أحد الأطباء.


حادثة هي الأولى من نوعها في تاريخ شرطة «حماس»، بعدما كان الإقدام على حرق النفس، أو التهديد بذلك، وسيلة الفقراء وبعض الأسرى المحررين ممن لم يأخذوا حقوقهم المالية أو يعانون الفقر المدقع. هذه المرة يقدم أحد موظفي الحكومة السابقة ممن لا يتقاضون إلا سلفاً مالية منذ 11 شهراً، على فعلها وحرق نفسه. ووصفت المصادر الطبية أن (ق.) يعاني من موت سريري حالياً، منبهة إلى أن نسبة نجاته من الموت ضئيلة جداً، لأنه وصل متأخراً إلى المستشفى ولم يستطع أحد زملائه إسعافه بسرعة.
وعن حيثيات الموضوع، ذكر محمد (اسم مستعار لشرطي يعمل في الجهاز العسكري نفسه وكان أحد الشهود على الحادثة)، أن زميله أقدم على حرق نفسه بعدما توجه إلى «البنك الوطني الإسلامي» التابع لـ«حماس» في غزة ليتسلم راتبه، لكنه لم يجد نقوداً لأن المصرف حسم راتبه لرصيد قروض ومشتريات، وذلك في الوقت الذي تواجه فيه «حماس» أزمة مالية لا تكاد تصرف بسببها إلا نحو 1000 شيكل لموظفيها (قرابة 250 دولاراً)، على نحو 45 ألف موظف كل 40 يوماً.


نقابة موظفي غزة رفضت اعتصام الموظفين احتجاجاً على البنك الوطني الإسلامي

ويضيف: «بعدما خرج زميلي من البنك، توجه إلى مدير عمله في مقر الجوازات، لكن الأخير لم يستطع أن يفعل له شيئاً، ما دفع الموظف إلى سكب البنزين على جسده في مقر الجوازات وإحراق نفسه، وقد حاولنا إنقاذه ثم نقلناه إلى المستشفى».
ويوضح محمد أن زميله من سكان مخيم الشاطئ، وهو يعاني ظروفاً صعبة، خاصة أن لديه أطفالاً ولا يحصل على راتبه بانتظام، الأمر الذي أدى إلى تكديس الديون عليه وعجزه عن الإيفاء بالتزاماته. ويكمل: «كنا نأمل ألا يحسم البنك من شبه الراتب الذي نحصل عليه... كذلك كان المدير المباشر في إدارة الشؤون العسكرية يقدم مساعدة مالية للعساكر لا تتعدى 15 دولاراً، ولم تصل حتى إلى زميلي الذي أحرق نفسه»، متهماً الإدارة بأنها لم تأبه له، وأن ذلك هو ما دفعه إلى حرق نفسه.
وهذا الشاب، كما عملنا من بعض أصدقائه، هو واحد من بين ثمانية إخوة لعائلة فقيرة تعيش في منزل متواضع في معسكر الشاطئ، شمال غرب غزة.
أما وزارة الداخلية في غزة، فامتنعت رسمياً عن التصريح بشأن هذه الحادثة، فيما كشفت مصادر شرطية ومدنية أنه في أكثر من مرة حاول موظفو غزة تنفيذ اعتصامات ضد سياسة الحسومات التي يشرع بها البنك الوطني الإسلامي ــ الذي أنشأته «حماس» وتعرض للقصف عدة مرات ــ لكن ثمة من كان يهددهم بالفصل إن فعلوا ذلك.
واتهمت المصادر نفسها نقيب موظفي غزة، محمد صيام، بالوقوف خلف التهديدات، على اعتبار أن «أي حملة ضد البنك حرف للبوصلة ومضيعة لحقوق الموظفين، بل نقل المعركة داخل غزة وليست لاستجلاب الحقوق من حكومة التوافق التي لا تعترف بشرعيتهم»، كما نقل عن صيام.
وحتى اللحظة لا تزال حكومة التوافق برئاسة رامي الحمدالله لا تعترف بشرعية موظفي حكومة «حماس» السابقة، إلا أن تسلم الأخيرة إدارة المعابر لحرس الرئاسة، وهو ما أوضحه الحمدالله في آخر تصريح قبل يومين، حينما ربط مصير دمج موظفي غزة في السلطة شرط تسليم المعابر وإدارة الحدود لحكومته، وأنه ينتظر ردوداً إيجابية من الحركة في هذا الصدد.