مع سقوط جسر الشغور بيد «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة» وحلفائه منذ أيام، بدا معظم الإعلام الأميركي كمن يحتفل بتحقيق انتصار، حتى ذهب البعض الى إعلان «خلخلة» في النظام، منذرين بسقوطه.

كما في كلّ تقدم أحرزه المسلحون في الفترة الأخيرة، تركّز معظم وسائل الإعلام الأميركي على «الأهمية الاستراتيجية» لذلك التقدم وعلى «دلالاته السياسية» مع محاولة عدم تسليط الضوء على واقع أن مَن يحرز تلك الانتصارات في معظم الأحيان، هم مقاتلون مبايعون لتنظيم «القاعدة» ومجموعات مرتبطة به.

هذه المرة أيضاً، لم يبد معظم الصحافيين خوفاً ولا حتى قلقاً بعدما سيطر المتطرفون على جسر الشغور. ومسألة أن هؤلاء استخدموا أسلحة ثقيلة، بينها صواريخ «تاو» الأميركية لتحقيق تقدمهم مرّت كتفصيل عابر في التقارير. مقال جيفري وايت وعُلا عبد الحميد الرفاعي في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، مثلاً، عدّد أنواع الأسلحة الثقيلة التي استخدمها المقاتلون في عمليتهم الأخيرة، ذاكراً أن الذين تمكّنوا من جمعها واستخدموها في معاركهم الأخيرة هم «الثوار». وفي المقال عينه، يشرح الكاتبان أن هؤلاء «الثوار» هم حوالى ١٦ تنظيماً ممن «شاركوا في العملية»، وهي بغالبيتها الساحقة مرتبطة بـ«القاعدة». أما «جيش الفتح» فهو ذُكر في تقرير «معهد واشنطن» كما في معظم التقارير على أنه جزء من الفصائل «الثورية» من دون التوقّف عند ارتباط معظم المجموعات المنضوية تحت لوائه بتنظيم «القاعدة»، وأن فكرة إنشائه كغرفة عمليات مشتركة للفصائل في إدلب خرجت من عقل القيادي «القاعدي» عبد الله المحيسني.
كلّ ذلك يبدو ثانوياً في تغطية الإعلام الأميركي للأحداث الميدانية الأخيرة، فـ«ذي واشنطن بوست» مثلاً رأت في عنوان تقرير لها أن سقوط جسر الشغور و«تقدّم المتمردين» يدلّان على أن «بقاء (الرئيس بشار) الأسد في السلطة يتزعزع أكثر من أي وقت مضى». تلك الفكرة، تكررت في تقارير عديدة، تنبّأت بـ«فقدان النظام السوري زمام الأمور مع تخطّي السعودية وقطر وتركيا خلافاتها وتوحيد استراتيجياتها». وتحدّثت عن «ضربة قاسية تلقّاها النظام قد تمهّد لانهياره على جبهات استراتيجية».
مقالات قليلة قدّمت رؤية أخرى للأمور، كما في تقرير حسن حسن في مجلة «فورين بوليسي» حيث قال إن «تلك التطورات لا تعني بالضرورة أن الأسد في ورطة جدّية. فنظامه لا يزال آمناً في دمشق وحمص وحماه والسويداء والمدن الساحلية، وحتى في المناطق الشمالية الغربية حيث يتمتّع المتمردون بأفضل وضع، فإن الجيش السوري بإمكانه خوض أي معركة كبيرة في حلب مثلاً». حسن رأى أن تحقيق المعارضة تقدّماً على أكثر من جبهة «قد يعيد رسم خريطة النزاع وقد يزعزع نظام الأسد»، وعدّ التطوات الميدانية الأخيرة كـ«بداية فصل جديد في الحرب».
فريدريك هوف، المسؤول السابق عن الملف السوري في الخارجية الأميركية، طرح في مجلة «ذي ناشيونال إنترست» مجموعة أسئلة لم يأت على ذكرها كثيرون مثل: «هل الإدارة متأكدة من أن المتطرفين لا يتلقّون الدعم السخي من تركيا ودول الخليج؟»، و«هل تكفّلت الإدارة أخيراً بتحديد مَن سيتلقّى أي نوع من السلاح؟»، أم هي «تغض الطرف بينما تنشغل ببرنامج تدريب (المعتدلين) الصغير جداً والبطيء، إلى درجة أنه لن يكون له تأثير على أي شيء؟».