أنا العالقة بين سماء وأرض، ما زال خدر السقوط الجميل يتمشى في أعطافي كأثر نيزك يقع مرة كل ألف عام، هو الريشة المتأرجحة نحو الأرض كأطفال ضاحكين بلا حساب. "حضرات المسافرين الكرام، أهلاً بكم في مطار رفيق الحريري الدولي بيروت".

مسحت عن جبيني عناء ملايين البشر. كأنه ألم متوارث منذ الأزل، لم أكن أدرك أنني لا أختار منعطفاً فقط، بل طريقاً مغايراً.

هو الطريق الذي يقف معظم الناس عند أول حجر فيه، ثم يقررون إدارة وجوههم والالتفاف ثم العودة إلى الخلف، أو سلوك الطريق القصير، حتّى لا يتعثروا بالذئب الذي خرج لليلى في طريقها الطويل.
لمْ أكن أعرف أنني أصفع الماضي كفاً موجعاً، وأنني أطعن نفسي على طريقة الهاراكيري اليابانية. لا لأتخلص من عار، بل لأتخلص من كل شيء دفعة واحدة. لم أعرف أن كل الذي تركته خلفي من بلاد وزعتر، وشاطئ طويل وجبل، وأصدقاء ورفاق وطفولة وعطف والدَيّ وحنانهما، سيظل يلاحقني إلى الأبد.
أصمت أمام هول الصدمة، صدمة ما حصل، تسارع الأحداث كخطأ عنقودي، بين وطن يصفعني كلما وجهت قبلتي نحو الشمس، وبين وطنٍ يُطَهِّرُ وجهه كلما نظر قلبي إليه. بين كتابين مفتوحين على التعريفات المحرمة، يستغرق كل منهما جيلاً كاملا من الشرح، خارجاً من رماد التاريخ نافضاً عنه غبار الفاجعة.
أنا العالقة بين شمس وظل، لا أنا عباد شمس، ولا أنا عمود الساعة، أبتسم للناس كلمّا أنهال المديح عليّ لأنني ــ كما قالوا ــ سلكت طريقاً من نار ومشيت فيه عارية حتى الحريق.
إنها المرّة الأولى، والمرّة الأولى هنا لا تشبه أبداً حصول الأشياء الجميلة لأول مرة، كالقبلة أو اكتشاف متعة خروج الكلام من بين الفكين. إنها المرّة الأولى التي يسحبني فيها البعد إلى القاع، ويغوص في الغربة معلماً إياي ألف باء المنافي، حيث تترك مطارات العالم ندوباً على وجوهنا. إنها المرة الأولى التي أعود فيها إلى غير فلسطين!
كان الصوفي، الذي خرج من الناي، لحناً بالغ التعقيد يؤدي رقصة "سما"، بين حزنين وفرح، على طريقة الرومي ورفيقة الدرويش شمس التبريزي، لكنني لم أر في حركة يده، التي تجلب السعادة من السماء لتعطيها باليد الأخرى للعالم، أيّ فرح! ولا حتى في دورانه الغريب سوى حزن ممتقع اللون. هل يبكي الله؟ سألت ذاتي بصمت، وأنا أنظر إلى الدرويش الذي لا يكف عن الدوران، وانفجرت ببكاء على نحو غريب! كأن كل الفرح الذي كان يهبط من السماء إلى يده كان يتحول في قلبي إلى مقبرة.
حضنت أمي التي انفجرت ببكاء حارق، ودفنت رأسي بين كتفيها، لم أستطع النظر إلى وجهها لأنني لمْ أرغب في رؤية دموعها، لم أرغب في رؤية أمي تبكي، لأني لم أشاهدها يوماً تبكي. رغبت في الإبقاء على البكاء شيئاً غريباً هجيناً. غير أن الوقت الذي قضيته بعيدة عنها وأنا أفكر أنني قوية بالقدر الكافي كي أطوي هذا البعد، استحال جمراً يحرقني كلما دار الدرويش في ذاكرتي.
الدوران أيها الدرويش لا يعني العودة إلى نقطة البداية، ولا ينبع من فكرة النظر إلى الخلف، والأشياء لا ترجع كما لا تتقدم في دائرة عقيمة. ومع ذلك يا شمس، فأنا أخاف من الرجوع، لا أريد أن أشرب مرة أخرى نخب تلك الأرض في مطعم "فتوش" في حيفا، ترعبني فكرة الجلوس مع أصدقائي في "البستان".
أتعرف شيئاً؟ لا أريد النظر مرة أخرى إلى «قبة عباس» المشتعلة في قمة شارع البهائيين، وجاري يقول إنه ذاهب إلى الشارع ذاته لكن بلغة أخرى "إلى شارع بن غوريون"... لا أريد لجندي صهيوني من أصل روسي أو إثيوبي، أن يسألني وأنا أنتظر الحافلة مثله في المحطة المركزية في حيفا، وبعبرية مكسرة، في أي اتجاه عكّا... لأنني لن أحتمل بعد اليوم أقل من سحق قلبه تحت أقدامي.
سأشرح لك ذلك يا شمس، ستفهم ما أعنيه. كنت بين مسافتين من القرب والبعد كما في مشهد إيليا سليمان ورفيقه وهما يصطادان السمك ويمر الجيب الإسرائيلي ويسلط الضوء عليهما. وفي نوع من أنواع السخرية المرّة، لن ينتبه له أحد ما لم يجرب العيش في الداخل المحتل. المشهد الذي تكرر ثلاث مرات في "الزمن الباقي" حين يسأل الجنود: من أين أنتم؟ فيردّون: من الناصرة. وماذا تفعلون؟ نصطاد السمك. هل يوجد أسماك؟ بالطبع يوجد.
كنت في مسافة قريبة من جنديٍ لم يتعرّض لي. وجدني واقفة في حافلة امتلأت حتى التخمة ببساطير الجنود الحُمر وبزّاتهم الخُضر التي عادت للتو من معركة خاسرة على خاصرة غزة وخد الجنوب. حينها، تصرف كالمحارب النبيل: فزّ من مكانه ودعاني بأدب للجلوس. كان عائداً إلى معسكره وكنت في طريقي إلى حيفا. وبهذا وعلى خلاف إيليا سليمان الذي حوصر مع سائق سيارة الأجرة اليهودي، في ظلمة طريق اختفت معالمها تحت جنح الظلام وزخات المطر وغضب الرعد، فبقيا محاصرين معاً لا يعرفان إلى أين يذهبان! رفضت، وأرفض أن آخذ هذا الموقف ما بقيت حيّة. فتحت الباب وخرجت، فبلّلني الله بدمعه وزعق فيّ رعده. وبقي السائق في الطريق وحده ضالاً الاتجاه. لا أريد أن أُحشر معه مرّة أخرى، ليس الذنب ذنبي، هو الذي قَدِمَ إليّ من ليتوانيا، وأذربيجان وشمال شرق أنتركتيكا! ويا للوقاحة، يفتش جيوبي بحثاً عن رصاص، ويسألني عن هويتي، ذلك الأبيض الذي لا يشبه تراب بلادي، وأنا أجتاز تلك الحدود الفاصلة في وطني.
إن طعم "الألمازة" اللبنانية، ليس كطعم "مكابي" أو "نيشر"، كيف أشرح ذلك؟ القضية لا تتعلق بعشبة الدينار، القضية تتعلق بالخدر الجميل الذي يتركه أثر الرصاص في الجدران، كلمّا اشتدّ السكر فيّ وسرت في ذاتي، خارجة من "أبو إيلي" لأكمل السهر مع رفاق تعرفت إليهم بالأمس في "ة"، أو لاقيتهم صدفة في "سهرية"، ونظرت إلى جدراني فوجدت جسدي مرمياً عليها نابتاً عشباً منذ الحرب الأهلية... إلى أن يتوقف الخدر، فتسري في أوصالي رعشة الدلالات: أن تمشي بيروت في بيروت.
أنا مثلك يا شمس أدور حول نفسي. وأنت مثل الجليل تدور في عقلي، وخاطري، تحفر في قلبي حزناً وشوقاً. أنا ما زلت داخلك، صوري وكتبي وذكرياتي وطفولتي وأصدقائي. أشرطة الموسيقى. ثيابي.
كفّ عن الدوران، لن تخرج يا جنوب الجنوب مني كما خرجت منك!
كفّ! فإني أرى في دائرتك متسعاً من الضوء، يستهوي الفراشات كي تكتوي بك غير آبهة بالاحتراق!