تونس | قابلته خلال تجوالي بين مختلف الأقسام في المنتدى الاجتماعي العالمي في تونس. كان رجلاً مسنّاً، بدا من ملامحه أنه من دول القرن الأفريقي. قال لي عند معرفته بأنني عربي: «هل تعرف أين تقع أوروميا؟». ولما أجبته بالسلب، عقّب بالقول: « نحن نعرف الكثير عن قضاياكم ومعارككم ضد الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة القضية الفلسطينية. فلماذا لا تعرفون أيّ شيء عنا؟ نحن الذين نضطهد تحت نير نظم الحكم الإثيوبي المتعاقبة، التي هضمت حقوقنا منذ عقود طويلة، رغم أننا القومية الأكبر في إثيوبيا. لقد جئت إلى هنا اليوم للحديث عن هذه القضية، سعياً لمستقبلٍ أفضل لأبناء بلادي...».


شيئاً فشيئاً، مع تغلغلي في «عالم المنتدى»، بدأتُ أكتشف أنه فرصة لتعلم الكثير عن العالم ورؤيته بطريقة مختلفة: قضايا المهاجرين جنوب الصحراء، وعن الطاقة البديلة والأخطار التي تهدد الأرض، وعن «أسطول الحرية الثالث» الذي يستعد لكسر الحصار البحري على غزة للمرة الثالثة، وعن الأطفال التونسيين الفقراء الذين لا يقدرون على دفع تكاليف دراستهم، والفلاحين البرازيليين المسحوقين، وغيرها من القضايا. كل هؤلاء، جاءت جمعياتهم إلى تونس، بحثاً عن إمكانية إقامة «عالم آخر» يتكاتف فيه الجميع، كي يحيا فيه كل أبنائه بسلام ودون تمييز أو ظلم، كان من الصعب حصرها جميعاً في هذا الموضوع بسبب ضيق المساحة وضخامة الحدث.

إلى «المنتدى»...

على أرض المدينة الجامعية، أو ما يعرف في تونس باسم «المُرَكَّب الجامعي» في حي المنار، في العاصمة التونسية، ستبدأ رحلتك لدخول المنتدى: هنالك حافلات تنقل المشاركين من وسط المدينة إلى المكان وبالعكس، إضافة إلى وجود محطة قريبة لـ«المترو»، وكل ذلك بسعر زهيد، فضلاً عن سيارات الأجرة. إن معاناتك تبدأ مع الدخول إلى المكان: هنالك طوابير طويلة لألوف المشاركين الذين يودّون الدخول إلى مكان إقامة المنتدى. وسط إجراءات أمنية مشددة لا تخطئها العين: انتشار أمني مكثف لرجال الأمن التونسيين، داخل المدينة الجامعية وخارجها، وتفتيش دقيق لكل من يدخل المكان، خوفاً من تكرار حادثة متحف «باردو» التي ألقتها بظلالها السوداء على المؤتمر.
تتجاوز البوابة أنت ومن معك من أناس قدموا من كل أنحاء العالم ــ ما يزيد على 120 جنسية مختلفة ــ لتقابلك المدينة الجامعية التي تحتوي على كليات عدة، من بينها الحقوق والعلوم، إضافة إلى «المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس». تم تقسيم المنتدى إلى ستة أقسام، هي «ملتقى المواطنة»، و«ما بعد الحدود» المخصص للعديد من قضايا حقوق الإنسان العالمية ومن بينها القضية الفلسطينية، و«الكوكب الحي» وهو مختص بقضايا المناخ والبيئة، و«ساحة العدالة الاجتماعية» التي تعنى بقضية توزيع الثروات عالمياً بشكل عادل، و«فضاء المساواة والكرامة والحقوق»، وأخيراً «ساحة الاقتصاد والبدائل»، التي يسعى منظموها للبحث عن نظام مالي جديد، مختلف عن الرأسمالية الحالية.

«أين أذهب الآن؟»

بخصوص تعدد الفعاليات في الوقت ذاته، يمكنني القول إن في ذلك ميزة وعيباً في آن واحد: فمن ناحية، لا يمكن القيام بفعاليات متتالية زمنياً، نظراً إلى الكم الهائل من الندوات، ولكنك ستجد أن في بعض الفعاليات المقامة يوجد عدد محدود يحضر فعالية تحاضر فيها شخصية مهمة بسبب «تشظي الجمهور» بين الفعاليات. كذلك واجه المنتدى، طيلة أيامه، «عدواً شرساً»، هو طقس العاصمة المتقلب، الذي كان بارداً وماطراً بشكلٍ عام، وأثّر في نسبة الحضور.
بعد تجاوزك البوابة، تجد نفسك أمام السؤال الآتي: «أين أذهب الآن؟؟»، إن المعضلة الحقيقية هي في كيفية الوصول إلى أماكن الفعاليات المختلفة، وهي جميعاً مكتوبة بشكل رمزي ومختصر باللغة الفرنسية، وسيفاجئك أن معظم المتطوعين في المنتدى، الذين تميزهم أزياؤهم الزرقاء، مع كلمة «متطوع» مطبوعة باللغة الفرنسية على ظهرها، لا يعرفون هذه الأماكن ولا طريقة الذهاب إليها! وبالتالي، ستجد أنك قد وصلت إلى مكان الفعالية بعد وقت طويل من بدايتها، إن كنت قد خرجت من فعالية أخرى بعد انتهائها.
في داخل المنتدى، ستجد أمواجاً متدفقة من البشر، يحيطون بمختلف الخيام: واحدة تجذبك إليها الألحان الأفريقية الصاخبة، وأخرى للطبخ المغاربي ورابعة للدفاع عن «القضايا العربية»، وخامسة للقضية الفلسطينية، وسادسة ضد الإرهاب في تونس والعالم بشكلٍ عام. إن توقيت الفعاليات مهم أيضاً، إذ تقل نسبة حضور الجمهور للفعاليات التي تقام قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً، ولكن ما فاجأني حقيقة أنني حضرت مبكراً في اليوم الثالث، لأجد أن سبعة من ندوات المنتدى – أربع منها عن القضية الفلسطينية - لم تُقم في موعدها المحدد، في الثامنة والنصف صباحاً، حيثُ إنني تنقلتُ، من قاعة إلى أخرى، لأجدها فارغة تماماً!

مشاهدات حية

هناك، رأيته يوزع أوراقاً بالإنكليزية، تتحدث عن ظلم الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين، للمارين به من جمهور المنتدى. ناديته صائحاً: «غير معقول! أهذا أنت يا بول؟!». ليأتي إليّ معانقاً: لقد كان بول لارودي، قبطان أول سفينتين من سفن كسر الحصار وصلتا إلى غزة في أواخر شهر آب عام 2008، وقد تم اعتقاله خلال رحلة أخرى لكسر الحصار، وتم ضربه بقسوة. قلتُ له: «لقد أسفت عند علمي بأن جنود الاحتلال ضربوك بهذه الشدة عند اعتقالك، فردّ قائلاً: «أنا لم آسف أبداً لذلك، بل أعتبرها أوسمة لي!».
جذبتني الألحان التي تعالت منها: كانت خيمة «الاتحاد العام التونسي للشغل» في المنتدى، التي حظيت بنسبة حضور واضح، عبر جلبها أكثر من مرة فرقة «الحرية» الموسيقية، التي أمتعت الجهور بأغانيها الرائعة من التراث الفلسطيني، وأغاني الشيخ إمام عيسى، التي تجاوب معها الحاضرون بشكلٍ كبير. في اليوم الثالث للمنتدى، فوجئتُ، مع جمهور المنتدى، بتجمع كبير للمتطوعين، مطلقين هتافاتهم باللغتين العربية والفرنسية، معلنين فيها إضرابهم عن العمل. عند السؤال عن السبب، قالت إحدى المتطوعات التي فضّلت عدم ذكر اسمها: «إن المسألة تتعلق بمنحنا حقوقنا نحن المتطوعين من قبل اللجنة المنظمة للمنتدى التي أخلت بتعهداتها معنا، ومن بينها الإيواء: لم يتم توفير السكن للعشرات منا، الذين أتوا من أماكن بعيدة وقضوا الليالي الماضية في العراء، وسط البرد الشديد...».
لاحقاً حُلّت المسألة، حسبما أُبلغت، ولكن بعد أن تناولها مختلف الصحافيين، وكان أن سجلت نقطة سوداء، في سجل المنتدى، عكست اضطرابات ومشاكل إدارية واضحة في آليات تسييره. يمضي المنتدى، أخيراً، بما له وما عليه، على أن يعقد بعد عامين آخرين، في دولة أخرى، كي يكون فرصة جديدة لتلاقي الأفكار والإرادات من مختلف أنحاء العالم، لإقامة مستقبل أفضل.