القاهرة | وافق مجلس الوزراء المصري في اجتماع قبل يومين على مشروع قانون بتعديل بعض مواد قانون الإجراءات الجنائية يلغي به وجوب سماع الشهود خلال المحاكمة، في وقت يكون فيه الحق في استدعاء الشهود أو سماعهم، بيد المحكمة دون معقب، على اعتبار أنها هي التي تطبق مبدأ المحاكمة العادلة. التعديل المقترح الذي ينتظر مراجعة مجلس الدولة، وموافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي ليُقر، أثار حفيظة عدد من المحامين، خاصة ممن يعملون على القضايا التي تحمل بعداً سياسياً في السنوات الأربع الماضية، ويشتكون إجراءات وقوانين يجري تجاوزها داخل المحاكم وجهات التحقيق، وكلها تُخل بضمانات العدالة التي أقرّها الدستور والمواثيق الدولية المأخوذ بها في الجمهورية.


يشتكي المحامون من تحيّز بعض المحاكم ووكلاء النيابة في القضايا إلى مصلحة النظام الحاكم، والتجاوز عن الإجراءات التي تضمن عدالة المحاكمة إذا كان المتهمون من خصوم النظام، كالتجاوز في إجراءات القبض وأماكن الاحتجاز وإبلاغ الأهل والمحامين ورفض إثبات دفوع البطلان، والتحقيق مع متهمين دون حضور الدفاع، وغيرها من الإجراءات التي يتمسكون بتطبيقها إذا كان المتهمون من أتباع النظام، ليصدر حكم لمصلحتهم في النهاية.
ولفت المحامي في المركز «المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية»، مالك عدلي، إلى أن المقترح بتعديل قانون الإجراءات الجنائية، سيعصف بحق أساسي من حقوق المتهم، وهو «الحق في إثبات دفاع»، ما يُخل بضمانات العدالة في مصر، ويُقنن استخدام الدولة لسلطة القضاء في التنكيل بالمعارضين.
ويقول عدلي، الذي يتولى مهمة الدفاع في عدد من القضايا المهمة، أبرزها قضية أحداث مجلس الوزراء التي يُحاكم فيها الناشط السياسي أحمد دومة، إننا «نعيش في وضع قضائي متردٍّ للغاية، فالنيابة والقضاء يرتبكون مخالفات عديدة للقوانين والإجراءات... نشتكيهم لكن لا يجري التحقيق في شكوانا، وسيزيد الأمر تعقيداً المقترح الجديد بإعطاء المحكمة الحق في الحكم دون سماع الشهود»، مفسراً ذلك في حديث لـ«الأخبار» بأن «التعديل سينزع صفة المحاكم الطبيعية عن المحاكم المصرية، وسيحولها جميعها إلى محاكم استثنائية، كالقضاء العسكري ومحاكم أمن الدولة».
ووصل التوتر بين القضاة والمحامين إلى ذروته في محاكمة الناشط دومة، إذ انسحبت هيئة الدفاع عنه اعتراضاً على رفض القاضي ضم بعض الأوراق وتقارير تقصي الحقائق للقضية، ورفض نسخ أدلة الثبوت للدفاع، وأيضاً رفض سماع بعض شهود النفي، وأيّدت بعد ذلك نقابة المحامين انسحاب هيئة الدفاع، وأحالت المحامي الذي قبل انتداب المحكمة وحضر جلسة النطق بالحكم على لجنة التأديب في النقابة، ثم توعدت بشطب عضويته، فيما اعتبرت هيئة المحكمة بيان نقابة المحامين إهانة لها وأحالته على التحقيق.
يشير عدلي إلى نقطة عجز المحامين عن شكوى القضاة أو وكلاء النيابة، إذ يقول: «في الشهرين الماضيين تقدمنا بما يزيد على 26 بلاغاً ضد وكلاء نيابة لم يُحقق في أيٍّ منها».
أما عن حق المحامي في شكوى القاضي أو وكيل النيابة، فقالت الباحثة القانونية هدى نصر الله، لـ«الأخبار» إن «شكوى القضاة أو وكلاء النيابة تكون في التفتيش القضائي، لكن المشكلة تكمن حيث لا يحق للمحامي أو الشاكي متابعة شكواه، أو معرفة نتائج التحقيق فيها، حيث يعتبره القضاة شأناً داخلياً خاصاً بهم».
في الوقت نفسه، يرى المحامي في المركز «المصري للحقوق الاجماعية والاقتصادية»، سامح سمير، أن الأوضاع السيئة وتجاوز الإجراءات كلها تخلّ بضمانات العدالة، قائلاً: «بدأت الأزمة حين خُصِّصت دوائر بعينها لنظر في قضايا الإرهاب، قالت الدولة إنها للنظر في قضايا الإخوان المسلمين والأعمال الإرهابية، لكننا فوجئنا بمحاكمة النشطاء في قضايا التظاهر وغيرها في دوائر نظر قضايا الإرهاب»، لافتاً في الوقت إلى أن هذه المحاكم تنتقص حق المتهم في الدفاع عن نفسه، وضمان حيادية المحاكمة وعدالتها، إذ تُعقد في أماكن شرطية، وداخل قفص زجاجي يفصل صوت المتهم عن قاعة المحكمة، كما يمنع أحياناً دخول المحامين، ويمنع دخول أهل المتهم».
ويضيف سمير لـ«الأخبار»، أن دور المحامين أصبح «توثيق الاتهامات التي يتعرض لها المتهمون وليس الدفاع عنهم، فأي دفاع نقوم به ونحن نختصم وزارة الداخلية في بعض القضايا ونقف نترافع داخل مراكز شرطية وحولنا ضباط يقفون بأسلحتهم؟».
تعود هدى نصر الله التي أعدت دراسة بعنوان «لمصلحة من يعمل محامي الشعب؟»، لتناقش استقلالية وكلاء النيابة ومدى انعاكسها على مسار العدالة الجنائية، منبهة إلى خطر تعديل قانون الإجراءات الجنائية المقترح. تضيف: «هذا التعديل يفقد ضمانة مهمة جداً للمتهم في تحقيق العدالة، فالنيابة التي تسمع الشهود تعمل كسلطة تحقيق وتوجيه اتهام كممثل عن المجتمع في ما بعد، وفي بعض القضايا تتجاوز عن سماع شهود النفي، وتستمع إليهم المحكمة... هذا يساعد المتهم خاصة أن الأدلة الفنية في مصر لإثبات الجريمة ليست قوية ولا يؤخذ بها في كل الحالات، بل تعتمد غالبية القضايا على الأدلة القولية وشهادة الشهود أمام المحكمة».
في المقابل، قال عضو مجلس إدارة نادي قضاة مصر، المستشار محمد عبد الهادي، إن هذه التعديلات «ممتازة وتحقق مبدأ العدالة الناجزة، لأن الدعاوى الجنائية التي تحال على المحكمة تكون النيابة قد استمعت فيها إلى الشهود وسجلت شهاداتهم»، مضيفاً: «وفقاً للدستور، فالنيابة شعبة أصيلة من شعب السلطة القضائية ولها ضمانات الحياد التي تتمتع بها المحكمة، فما الداعي لإعادة سؤال الشهود إن لم يكن ذلك مجدياً؟».
ويضيف عبد الهادي لـ«الأخبار»: «قبل هذا التعديل كان يحق للدفاع أن يطلب إعادة سماع بعض الشهود أو كلهم، وكان لازماً على المحكمة أن تستجيب لهذا الطلب الذي كان يستغل أحياناً لإطالة أمد التقاضي، وتعطيل الفصل في الدعوى، أما بعد هذا التعديل فسيكون الأمر جوازاً على المحكمة، وسيجعل من اليسير على القاضي مطالعة التحقيق وإعادة سؤال الشهود المطلوبين إن وجد ضرورة لذلك، حتى تكوين عقيدته لفصل في الدعوة». واستدرك بالقول: «يجب المراعاة في هذا التشريع أن يكون مجرداً بعيداً عن وجهات النظر، وأن يطبق بما يخدم العدالة، لا أوضاعاً معينة».