تونس | مصادفة غريبة ولكن بالتأكيد ليست بريئة أن تترافق زيارة السيناتور الأميركي جون ماكين لتونس مع الذكرى الثانية لعملية اغتيال الشهيد شكري بلعيد على يد مجموعة إرهابية، والتي ما زال الكثير من تفاصيلها لم يكشف النقاب عنه بعد، فيما تستمر أصابع الاتهام موجهة نحو جماعة أنصار الشريعة وإشارات الاستفهام توضع أمام الكثير من الأسماء التي توجه نحوها الشكوك في التورط في الجريمة زمن حكم حركة "النهضة" لتونس.


الزيارة التي أعادت العراب جون ماكين إلى المهد شكلت أولى خطواته بعد فوز الجمهوريين في انتخابات الكونغرس النصفية وسيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، ما يضع مفاتيح السياسة الخارجية الأميركية بيده في الفترة المتبقية لحكم الرئيس باراك أوباما الذي يستحق لقب "الفاشل الأكبر" في تاريخ الولايات المتحدة، والمتقوقع، محاولاً الدفاع عمّا تبقّى له من احترام مع تواصل الهجوم الشخصي عليه، والذي دفع برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى تحديه بشكل غير مسبوق وإعلان أنه سيلقي خطاباً في الكونغرس قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية وتجاهل اللقاء بالرئيس الأميركي المعزول والمحاصر في عاصمته.
عودة السيناتور الأميركي تبدو حاملة للكثير من المعاني، وبعد لقائه بالرئيس التونسي ورئيس وزرائه الجديد التقى مع زعيم حركة "النهضة" راشد الغنوشي دون غيره من قيادات الأحزاب السياسية، في موقف يعكس تناغماً واضحاً بين توجهات الطرفين والعودة إلى الودّ المفقود زمن سيطرة الديموقراطيين على ملفات السياسة الخارجية الأميركية.
اللقاء جاء في وقت مثير للشارع التونسي، وتزامنه مع ذكرى اغتيال بلعيد رفع من نسبة القلق حول دوافع الزيارة وأهدافها بعد مشاركة حركة "النهضة" في الحكومة التونسية الجديدة، بالرغم من المعارضة الساحقة لمؤيدي الحزب الحاكم نداء تونس لذلك والثمن الذي سيدفعه جراء مخالفة قيادته لرغبات ناخبيه، والانتخابات البلدية بعد أشهر قليلة.
جون ماكين لم يأت من فراغ، بل حمل أفكاره المعدلة بعد هزائم "الإخوان" في مصر واليمن وتونس وانهيار جزء كبير من مشروع "الفوضى الخلاقة" في سوريا، وبدا واضحاً أن الهم الأكبر للسيناتور الأميركي إبقاء حركة "النهضة" في إطار المشاركة في الحكم تمهيداً لمتغيرات قادمة تعيد خلط الأوراق وترجعها إلى صدارة المشهد.
منطقة المغرب العربي زاوية مشروع جون ماكين القادم، وإعادة ترتيب خريطة ليبيا ضمن تفاهمات مع جماعة طرابلس وركائزها السياسية الإخوان وفجر ليبيا، في انتظار متغيرات الأوضاع في الجزائر المرشحة لتكون ساحة صراع لتقاسم ثروتها وأراضيها بين مكوّناتها المجتمعية والتداخلات الدولية فيها، ما يرشح تونس للعب دور قادم مؤثر في أوضاع المنطقة يقابله انكفاء أميركي في مصر وخروج تام من المشهد اليمني وفشل واضح في سوريا.
الرسائل الأميركية ستستقبلها أجنحة الحركات الإسلامية في المنطقة كل حسب قراءتها؛ فمن اتجاه إلى المزيد من البراغماتية ومسايرة الأوضاع في المنطقة إلى انتشاء الأحلام بعودة زمن التمكين وأحلام الخلافة والدولة الإسلامية، وصولاً إلى النصر المظفر لجيوش المسلمين على الكفار وهزيمتهم. وهذا التمايز في قراءة الرسائل سينعكس سلباً على نظرة العامة إلى فكر الإسلاميين الذين لم يستطيعوا إقناع الأغلبية بصدق قبولهم بالديمقراطية فكراً وممارسة، والتخلي عن أفكار إعادة تشكيل النموذج الاجتماعي التونسي وأسلمته.
بعض الحوادث المقلقة التي افتعلت بعد أيام قليلة من الزيارة زادت من حجم القلق في الشارع التونسي، خاصة أنها اشتعلت في مناطق تشهد حساسية أمنية مرتفعة على الحدود مع ليبيا، وتتداخل فيها انعكاسات مواقف الجماعات الإسلامية الليبية المسيطرة على طرابلس مع حديث قيادات حزبية تونسية محسوبة على الإسلاميين ربطت بين ما جرى واعتراف تونس بحكومة الأمر الواقع هناك.
تحول إرهاصات زيارة ماكين إلى نتائج على الأرض في تونس ستتراوح بين تدعيم دور "النهضة" في الحكم تمهيداً لاستعادتها زمام الأمور في المدى المنظور وبين قفز الإسلاميين خطوة في اتجاه استعادة مشروع التمكين الإخواني تمهيداً لتحقيق حلم الخلافة السادسة، وردود الفعل على الزيارة ستعكس ملامح واقع يبدو غامضاً، والتجارب الطويلة والمريرة على امتداد تاريخ طويل مع الحركات الإسلامية، وتحديداً الإخوان المسلمين، تجعل الثقة مفقودة بنيّاتهم مع الإصرار على استخدام العنف وسيلة للوصول إلى التمكين في مصر وليبيا وسوريا وغيرها من المناطق التي يستعدون لإشعال الفتنة فيها.