القاهرة | زيارة تاريخية للقاهرة اختتمها مساء أمس الرئيس الروسي فلاديمر بوتين استمرت لمدة 24 ساعة فقط، اكتفى خلالها بلقاءات مع كبار المسؤولين المصريين الرسميين، في مقدمتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حرص على إظهار حفاوة الترحيب، سواء عبر الاستقبال في المطار أو طلقات مدفعية للترحيب بالقيصر الروسي في قصر القبة الرئاسي.


وكانت تداعيات مجرزة استاد الدفاع الجوي قد دفعت الرئيس الروسي إلى تأخير وصوله إلى القاهرة إلى المساء، بعدما كان يفترض وصوله صباح الاثنين. وحرص الرئيس المصري على اصطحاب ضيفه من المطار لمشاهدة عرض فني في دار الأوبرا قبل أن يدعوه إلى تناول العشاء في برج القاهرة، وهو المشروع الذي نفذه الرئيس جمال عبد الناصر كرمز لتحدي المصريين الولايات المتحدة بعد رفضها تمويل السد العالي في الستينيات، فيما اعتبرها بعض المحللين رسالة غير مباشرة لواشنطن.
وعلى غرار الاستقبال الذي حظي به الرئيس الأميركي باراك أوباما، في زيارته لمصر عام 2009، قام السيسي باصطحاب نظيره الروسي إلى قصر القبة الرئاسي بمصاحبة الخيول، وأطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيباً بضيف مصر، الذي تأتي زيارته بعد 10 سنوات من آخر زيارة قام بها. إجراء ظهر من ثناياه الامتعاض المصري لاستقبال واشنطن وفداً من جماعة «الإخوان» المسلمين أخيراً.
وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، أعلن السيسي أن الجانبين المصري والروسي اتفقا على إنشاء منطقة صناعية روسية في منطقة عتاقة في قناة السويس، إضافة إلى التنسيق لإنشاء أول محطة نووية مصرية للأغراض السلمية في منطقة الضبعة من أجل استغلالها في توليد الكهرباء، كذلك تم الاتفاق على تعزيز التعاون المشترك، وجذب الاستثمارات، وتوقيع اتفاقات وبرتوكولات تعاون في هذا المجال.
يذكر أن صيغة إنشاء المحطة التي ستشرف عليها القوات المسلحة ستكون بالتنسيق بين وزيري الدفاع والكهرباء من مصر ونظيريهما الروسيين، على أن يتم توقيع العقود حال التوصل إلى اتفاق نهائي في وقت لاحق من العام الحالي.وثمّن السيسي عالياً دعم الرئيس الروسي ومساندته المهمة لبلاده في حربها ضد الإرهاب، مشدداً على رغبة البلدين في إقامة نظام اقتصادي دولي أكثر عدلاً واستقراراً لجميع الدول.
ووجه السيسي الدعوة إلى نظيره الروسي لحضور المؤتمر الاقتصادي المقرر عقده في آذار المقبل، إضافة إلى دعوة رجال الأعمال الروس للاستثمار في مصر، فيما اتفق الرئيسان على توسيع حجم التبادل التجاري بين البلدين والاستفادة من الخبرات الروسية في إنشاء صوامع القمح لتقليل الفاقد من سوء التخزين.
من جهته، أكد بوتين خلال اللقاء على أن الطرفين اتفقا على زيادة تفعيل دور مجلس الأعمال المصري الروسي الذي استأنف عمله العام الماضي، مشيراً إلى أن السياح الروس يقبلون على زيارة مصر بسبب الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلاد تحت حكم الرئيس السيسي.
كذلك أعلن الصندوق الاستثماري الروسي المباشر أنه عرض على وزارة الاستثمار المصرية المساعدة في إنشاء صندوق استثماري في القاهرة، وتم توقيع الاتفاقية، أمس، في حضور الرئيسين المصري والروسي.
وأوضح بيان الصندوق أن من المقرر أن يساعد الصندوق الشركاء المصريين في استراتيجية الاستثمار، والهيكل الإداري، والمساهمة في جذب المستثمرين الدوليين الآخرين، موضحاً أن مصر لديها إمكانيات استثمارية كبيرة في عدد من القطاعات.
ووجه الرئيس الروسي الدعوة إلى الرئيس المصري من أجل زيارة موسكو قريباً لاستكمال المباحثات المشتركة، مشيراً إلى أن ارتفاع معدل التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 80% خلال الفترة الماضية يعكس نموّ في العلاقات بين البلدين.
سياسياً، اتفق الرئيسان على أن الرئيس السوري بشار الأسد هو جزء من حل الأزمة الراهنة في سوريا، الأمر الذي يتطلب تنسيق مواقف المعارضة وتحقيق توافق بينها وبين النظام يضمن تحقيق ديموقراطية لا تؤدي إلى تقسيم الأراضي السورية. وتوافقت الرؤى المصرية والروسية في ما يتعلق بحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بما يؤدي إلى حل الدولتين. كذلك شدد الرئيسان على سيادة الأراضي الليبية ووحدتها، وتحقيق الوفاق بين القوى السياسية العراقية، وعلى ضرورة التوصل إلى حل سلمي للأزمة السياسية التي تشهدها اليمن وعدم السماح بتهديد أمنه واستقراره.
في سياق متصل، كشف وزير التنمية الاقتصادية الروسي، أليكسي أوليوكاييف، أن البنكين المركزيين المصري والروسي سيعملان في أقرب وقت ممكن على بدء مناقشة الانتقال إلى المدفوعات بالعملة الوطنية، بحسب ما نقلت عنه وكالة «ريانوفستي» الروسية للأنباء.
وكانت مباحثات الوفود المشاركة للرئيسين تضمنت التوسع في تعليم اللغة الروسية في القاهرة، وهو ما دفع وزير التربية والتعليم محمود أبو النصر إلى الاتفاق على إمكانية تدريس اللغة الروسية كلغة ثانية في المدارس الثانوية مع اللغتين الفرنسية والالمانية، إضافة إلى تدريب كوادر مصرية للشروع في تنفيذ أول محطة فضائية مصرية، وهي التفاصيل التي ستجري مناقشتها لاحقاً بين الوزارات المعنية في البلدين خلال الفترة المقبلة، فضلاً عن التوسع في الترويج للسياحة الروسية الوافدة إلى مصر، في محاولة للوصول بعدد السائحين الروس في 2018 إلى 6 ملايين سائح روسي، وهو ضعف العدد الذي زار مصر العام الماضي.
واضطر بوتين إلى اختصار زيارته لمصر والعودة إلى موسكو بعدما كان مقرراً أن يقوم بزيارة مدينتي شرم الشيخ والأقصر بسبب وصوله المتأخر.