يمكن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن لا يذهب إلى باريس، للتضامن مع مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية، ثم يُعلن البيت الأبيض ندمه على ذلك... لكن لا يمكنه إلا أن يحطّ في السعودية للتعزية بوفاة الملك عبد الله ... وأشياء أخرى. هكذا، سيقطع أوباما، وفريقه الدبلوماسي، برنامج زيارته في الهند، ويحرم نفسه التمتّع برؤية «تاج محل» مقابل التمتع برؤية وجه الملك السعودي الجديد سلمان بن عبد العزيز.

نزل أوباما وزوجته ميشيل، أمس، في مطار الرياض، فكان سلمان بانتظاره. لم يفعلها الملك لأحد من الرؤساء والزعماء الذين أتوا إليه، خلال الأيام الماضية، للتعزية بوفاة أخيه عبد الله. من أجل أوباما كل شيء يصبح ممكناً عند حكّام «بلاد الحرمين». إنه أوباما، وريث فرانكلين روزفلت، والآخر سلمان وريث والده المؤسس عبد العزيز. منذ اللقاء التاريخي، بين روزفلت وعبد العزيز، على متن الباخرة في السويس، ولم يتغيّر شيء على المستوى الاستراتيجي بين البلدين. أكثر ما حصل، خلال الأعوام السبعين الماضية، كان مجرّد «حرد» أو شيء من المشاغبة. مسموح لآل سعود أن يشاغبوا، قليلاً، بين الحين والآخر، مع المعلّم الأميركي، إلا أنهم لم يقفزوا يوماً فوق «الخطوط الحمراء».
في زيارة الرئيس الأميركي للسعودية العام الماضي، ولقائه عبد الله، لم يكن الأخير باستقبال أوباما في المطار. قيل آنذاك إن صحّة الملك لم تسمح له، لكن البعض رأى فيها أقوى إشارة إلى «الامتعاض» من السياسية الأميركية تجاه سوريا وإيران. سلمان هذه المرّة كان على الموعد، على أرض المطار، بادياً في صحّة لا بأس بها، باستثناء بعض الانحناء في الظهر ( نتيجة التقدم بالعمر).
ماذا جاء يفعل أوباما في السعودية؟ الوفد الدبلوماسي الضخم الذي أحضره معه، من العاملين والمتقاعدين، يشي برسالة يريد الأميركي أن يرسلها إلى العائلة الحاكمة في السعودية... وأبعد منها. تألف الوفد من نحو 30 شخصاً، من الحكومة الأميركية ومن الحزبين الجمهورية والديمقراطي. اللافت أن الوفد ضم مسؤولين من عهدي جورج بوش الابن وجورج بوش الأب، مثل وزيري الخارجية السابقين جيمس بايكر وكوندوليزا رايس، إضافة إلى مستشار الأمن القومي السابق ستيفن هادلي.
لم يكن مستغرباً أن يحضر أيضاً وزير الخارجية الحالي جون كيري ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون برينن، إضافة إلى قائد القيادة الأميركية الوسطى الجنرال لويد أوستن. ولكي تكتمل العدّة، أحضر أوباما معه عضو مجلس الشيوخ الجمهوري جون ماكين، الذي اشتهر بانتقاد سياسة أوباما الخارجية، وفي هذا إشارة إلى «العلاقة السعودية - الأميركية الاستراتيجية» التي فوق الخلافات الأميركية الداخلية، على حد وصف «قناة العربية» (السعودية).
الديوان الملكي السعودي كان قد أعلن، قبل الزيارة، أن اللقاء سيتضمن «مباحثات رسمية بين سلمان وأوباما، تشمل العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تطويرها، كذلك ستُبحَث القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك». من جهته، صرّح نائب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض بن رودز أن زيارة أوباما «تشكل فرصة للتشاور في بعض المسائل التي نعمل عليها مع السعوديين، بشكل خاص الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية واليمن والمفاوضات النووية مع أيران والعلاقات السعودية الأميركية عموماً».
انتهت الزيارة التي دامت نحو 4 ساعات، قبل أن يغادر الوفد الأميركي، من دون تصريحات رسمية، لكن وأثناء تحليق الوفد الأميركي على متن طائرة العودة، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في إدارة أوباما قوله إن إن سلمان «أشار إلى أن السعودية ستواصل أداء دورها في سوق الطاقة العالمي مثلما فعلت، وأنه لا يجب توقع أي اختلاف في الموقف السعودي». وأضاف أن «الرسالة السعودية كانت هي رسالة الاستمرار والالتزام بدورهم التقليدي والمساعدة في توفير معروض كاف من النفط، من دون البحث في أسعار النفط الحالية... كذلك تم البحث في قضايا اليمن وإيران، والملك لم يعبر عن تحفظات بشأن المحادثات النووية الأميركية مع إيران، لكن قال إنه لا ينبغي السماح لطهران بانتاج اسلحة نووية».
وكان نُقل عن جيمس بايكر قوله على هامش الزيارة: «أعتقد أنّ من المهم أن نُظهر للسعوديين الأهمية التي نوليها لهم. إنها مرحلة حساسة بشكل استثنائي في الشرق الأوسط، ويبدو كأن كل شيء ينهار، وفي نفس الوقت تصبح المملكة واحة استقرار». أما ماكين، فقال في تصريح جانبي: «إن المملكة تبدو كحصن أمان منيع أمام مساعي إيران لبسط نفوذها في سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين... وكان من الضروري أن أشارك في الوفد الزائر إلى الرياض نظراً إلى أهمية السعودية والعلاقات معها».
في الواقع، لم تكن العلاقات بين أوباما والملك الراحل عبد الله، خلال السنة الماضية، في أحسن أحوالها، في ظل «الحرد» السعودي الذي جاء على خلفية امتناع الولايات المتحدة عن ضرب سوريا، فضلاً عن «الهلع» السعودي مما حُكي عن تقارب أميركي - إيراني في ما يتعلق بالملف النووي.
في هذا الإطار، نقلت صحيفة «فورين بوليسي» عن بروس بريدل، المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية، قوله: «إن السعودية تعلم أنه لا غنى عن الدور الأميركي، وستتعامل معه بغض النظر عن شكوكها حول فعالية هذا الدور».
يُذكر أن أوباما قد صرّح في مقابلة تلفزيونية، قبل مغادرته الهند إلى السعودية أمس، قائلاً إنه «يضغط على حلفاء مثل السعودية في قضايا حقوق الإنسان، لكن عليه أن يوازن بين هذا الضغط وبين المخاوف المتعلقة بالإرهاب والاستقرار الإقليمي». وأضاف أوباما في السياق نفسه: «في أحيان كثيرة هذا يجعل حلفاءنا يشعرون بعدم الارتياح. هذا يشعرهم بالإحباط وعلينا في أحيان أن نوازن بين حاجتنا إلى التحدث معهم عن قضايا حقوق الإنسان وبين مخاوف وشيكة لدينا متعلقة بمكافحة الإرهاب أو التعامل مع الاستقرار الإقليمي». هكذا، يستمر هذا الضغط الأميركي المزعوم (من أجل حقوق الإنسان) على السعودية منذ أكثر من 70 عاماً، من دون نتيجة تذكر، لتبقى لغة المصالح (الاقتصادية - الأمنية) بين البلدين فوق كل اعتبار.