وتدخل الملك عبد الله. قال إن لديه مبادرة للحل، يريدها من دون إيران، فكانت رصاصة أصابت اتفاقاً في مراحله الأخيرة كان يفترض أن يجمع إياد علاوي مع نوري المالكي. هل حقاً أن ملك السعودية يصدق أن المالكي يمكن أن يقبل تتويجه رئيساً لحكومة العراق تحت عباءته؟ بل هل لا يزال السعوديون يعتقدون أنه من الممكن أن يكون لهم أي دور في عراق ما بعد صدام حسين، على الأقل من دون التنسيق مع طهران ودمشق؟


إيلي شلهوب
تجمعت أسئلة كثيرة خلال الساعات الـ24 الماضية حول تلك المبادرة التي صدرت عن الملك السعودي عبد الله والتي تدّعي أنها تستهدف إيجاد حل في العراق. أسئلة من النوع الذي يستغرب التوقيت: في خضم وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق بين نوري المالكي وإياد علاوي. ويستغرب المضمون: اجتماع قادة الكتل برعاية جامعة الدول العربية مع ما يعنيه من استثناء لإيران، ومع ما يوحيه ذلك من أن الدعوة جاءت لتقطع الطريق على الحل السوري ـــــ الإيراني للأزمة العراقية. بل أكثر من ذلك، استغراب الطريقة: إعلان من دون أي ممهدات له تتيح نجاحه، على غرار تنسيق مباشر، أو عبر وسطاء، مع دمشق وطهران، اللتين كانت واضحة رغبتهما، خلال الأسابيع الماضية، بإعادة تعويم ملك السعودية، على قاعدة أنهما حصلتا على ما تريدانه في المنطقة، فما الضرر من إعادة الاعتبار للسعودية بما يحصن البلاد من الفتنة الشيعية ـــــ السنية المزمعة. بل إن أي اتصال لم يجر مع المعنيين في العراق، وفي مقدمتهم جماعة المالكي، الذي من غير المفهوم كيف اعتقد حكام الرياض أنه من الممكن أن يقبل الذهاب إلى السعودية واستعادة منصبه تحت عباءة ملكها الذي يدرك أبو إسراء أن عبد الله لا يكنّ له سوى مشاعر السوء.
بعض الخبثاء من العالمين بخفايا الأمور يتحدثون عن خطوة سعودية استباقية في محاولة لفرض معادلة «رزمة الحل الواحدة» على السوريين والإيرانيين الذين يتمسكون بتجزئة الملفات، التزاماً منهم بالاتفاق السوري ـــــ السعودي على فصلها. ويضيف هؤلاء أن «ما يعرف بالمحور السوري ـــــ الإيراني بات يمتلك اليد الطولى في لبنان والعراق، وغيرهما من ساحات المنطقة. في المقابل، يعتقد السعودي بأنه لا يزال يمتلك روافع في لبنان، أقلها المحكمة الدولية والقرار الظني، يستطيع من خلالها أن يجري مقايضة من نوع ما. يريد حصة في العراق. لا يمكنه احتمال انكسار للسنة هناك من النوع الذي يتهدد الزعامة السعودية للسنة في المنطقة. مبادرته التفجيرية الأخيرة لا يمكن قراءتها إلا في هذا السياق»، وخصوصاً أنها تأتي مع نضوج الحل السوري الإيراني.

لمسات أخيرة

خطوة سعودية استباقية في محاولة لفرض معادلة «رزمة الحل الواحدة» على السوريين والإيرانيين
وكان يفترض أن يُعقد لقاء بين إياد علاوي ونوري المالكي مساء الخميس عند طرف ثالث على أن يصدر في ختامه بيان مشترك يؤكد اتفاق الطرفين على الإطار العام لتحالفهما، والذي بموجبه تم التوافق ضمناً على أن تتولى شخصية سنية من «العراقية» رئاسة البرلمان، على أن يتولى علاوي رئاسة المركز الوطني للسياسات الاستراتيجية ذي الصفة الاستشارية، لكن بعد إعطائه صلاحيات خارجية بما يمنح علاوي صفة لمتابعة علاقات العراق الخارجية، ولكن من دون أي من الشروط التي كان قد سبق أن عرضها، وبينها سلطة رقابية على أعمال الحكومة، وسلطة استدعاء الوزراء لمناقشتهم وما إلى ذلك من أمور تجعله سلطة أعلى من الحكومة.
لكن هذا اللقاء أرجئ بطلب من علاوي، الذي اتصل مساعدوه بعد ظهر الخميس سائلين تأجيل الاجتماع حتى مساء السبت بحجة أن زعيم العراقية لم يتمكن من أن ينهي كل أعماله في الأردن في الموعد المحدد، وأنه مضطر إلى البقاء في عمّان يومين بالحد الأدنى، وعلى هذا تم الاتفاق. بعد ظهر الجمعة، عاد مساعدو علاوي واتصلوا بالمعنيين، مطالبين بتعهد خطي من المالكي في ما يتعلق بصلاحيات «المركز الوطني»، شرطاً لحصول اجتماع السبت، على ما أفادت مصادر متطابقة، أوضحت أن «الجواب كان أن التوافق الفوري غير ضروري، المهم أن تجلسوا معاً وتطرحوا وجهة نظركم، وبعد ذلك لكل حادث حديث».
جاء رد مساعدي علاوي، على ما أفادت المصادر نفسها، بما معناه أن «لا لقاء بلا ضمانات. المطلوب صلاحيات أمنية لهذا المركز، وإلا فلتعط رئاسة الجمهوري لعلاوي. الأكراد لا يمانعون. أصلاً (رئيس إقليم كردستان مسعود) البرزاني يريد أن يتخلى عن هذا المنصب، لكنه يطلب ألّا نحمّله وزر خطوة كهذه. جلال الطالباني لا يزال متمسكاً بالمنصب. لذلك، يقول مسعود، ادفعوا جلال إلى التخلي عن الرئاسة ولا مانع عندي». وأضاف مساعدو علاوي «أنتم تعرفون كيف تصرف المالكي في الحكومة السابقة. استفرد بكل واحد على حدة. اذا كان للمركز صلاحيات أمنية، عندها سيكون القرار جماعياً، لكون رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء الأساسيين أعضاء في هذا المركز. وإلا، نكرر، فرئاسة الجمهورية». مع علم الجميع أن إعطاء «العراقية» صلاحيات أمنية من سابع المستحيلات، على الأقل عند المالكي. واتفق مساعدو علاوي والوسطاء بينه وبين المالكي على أن يعقد قادة من «العراقية» اجتماعاً مع قيادة التيار الصدري بعد ظهر السبت على أن يكون هذا الاجتماع مقدمة للقاء علاوي ـــــ المالكي. كان الرهان على أن ينجح الصدريون في إقناع «العراقية» بالمضي بالتوافق السابق، على ما يفيد الوسطاء أنفسهم. أوساط المالكي تؤكد أن «العراقية» طلبت رئاسة الجمهورية، مشيرة إلى «أننا قلنا لهم إن هذا الموضوع لا يعنينا. رئاسة الجمهورية حصة الأكراد، واتفقوا معهم ونحن نقبل ما تتفقون عليه».
مع حلول بعد ظهر السبت، عند الساعة الخامسة والنصف تحديداً، حصلت المفاجأة الأولى. اتصال من «العراقية» بالمعنيين يؤكد أن قادة هذا التكتل أنهوا للتو اجتماعاً في عمان اتفقوا في خلاله على مجموعة أمور أولها التخلي كلياً عن فكرة ترشيح عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة. الحجة كانت أن الأطراف السنية داخل «العراقية» على قناعة بأنه سيقدم للأكراد ما لا يقبل به السنة، هو الذي يُعد حليفاً أساسياً للكرد. أما الأمر الثاني فتأييد ترشيح نوري المالكي. المقابل، أن يتولى علاوي رئاسة الجمهورية مع تعزيز صلاحياتها. الأهم في هذه الرسالة تأكيد مساعدي علاوي إن «العراقية»، إذا رُفض مطلبها، لن تعرقل الاتفاق على المالكي بل ستجلس في مقاعد المعارضة.
لم تمض دقائق على هذا الاتصال، مع اقتراب الساعة من السادسة مساءً، حتى توالت الأنباء عن مبادرة الملك عبد الله في شأن دعوة القادة العراقيين إلى الرياض من أجل إيجاد تسوية تحت عباءة جامعة الدول العربية، مع ما يعنيه ذلك من استثناء لإيران، ولتركيا. دقائق على إعلان المبادرة، واتصال آخر من مساعدي علاوي، يتحدث عن «شروط لموافقتهم على المشاركة في اجتماع الرياض، تتلخص بدعوة إيران وتركيا».
تطورات أطاحت اجتماع «العراقية» مع الصدريين، وفرضت اجتماعاً للتحالف عقد نحو الساعة التاسعة من مساء السبت انتهى إلى رفض مبادرة عبد الله. خلال هذا الاجتماع، جرى التواصل مع القادة الأكراد، الذين كانت ردة فعلهم «عكسية» على ما يجري، معلنين تمسكهم بالمالكي رئيساً للوزراء وبالطالباني رئيساً للجمهورية. في هذا السياق يأتي الموقف المشترك للطالباني والبرزاني الذي صدر في وقت متأخر من ليل السبت ـــــ الأحد في خلال رعايتهما لاجتماع في أربيل لممثلي الأطراف والقوى السياسية الكردستانية ووفد التفاوض الكردستاني، ويعلن فيه الزعيمان تمسك الأكراد بالرئاسة إذ إنهم المكوّن الثاني في العراق.

مبادرة تفجيرية

كان يفترض وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق خلال لقاء يجمع علاوي بالمالكي مساء السبت
وأكدت مصادر إيرانية قريبة من أروقة صناعة القرار في إيران، أن المعنيين بالملف العراقي في طهران «لا علم لهم بالمبادرة السعودية»، نافية بحزم أن تكون مبادرة كهذه قد نُسّقت مع الجمهورية الإسلامية. كذلك فعلت مصادر وثيقة الصلة بالممسكين بالملف العراقي في دمشق، مؤكدة أنه «لم يجر تنسيق المبادرة مع سوريا، التي لم تُبلغ أصلاً بخطوة كهذه». شركاء السر بمفاوضات تأليف الحكومة العراقية تساءلوا عن «الغاية من مبادرة كهذه، تستثني طهران، وغير منسقة مع دمشق»، مشيرين إلى أنه «لا يمكن تفسيرها سوى بأحد أمرين: إما أنها محاولة لحصد النتائج، بعدما بلغت الأمور نهاياتها، والقول إن الرياض تمتلك مفاتيح ملفات الشرق الأوسط كله. أو أنها مبادرة تفجيرية تسعى إلى إجهاض الحل السوري ـــــ الإيراني للأزمة. والخيار الثاني أكثر ترجيحاً».
وكانت وسائل الإعلام قد ضجّت، نحو الساعة السادسة من بعد ظهر السبت ببيان وزعته وكالة الأنباء السعودية يدعو في خلاله الملك عبد الله «فخامة الأخ الرئيس جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الشقيق، وجميع الأحزاب التي شاركت في الانتخابات والفعاليات السياسية، الى وطنكم الثاني المملكة العربية السعودية وفي مدينة الرياض بعد موسم الحج المبارك، وتحت مظلة الجامعة العربية، للسعي الى حل لكل معضلة تواجه تأليف الحكومة التي طال الأخذ والرد فيها».
وأضاف الملك السعودي أن «الجميع يدرك أنكم على مفترق طرق يستدعي بالضرورة السعي بكل ما أوتيتم من جهد لتوحيد الصف، والتسامي على الجراح، وإبعاد شبح الخلافات، وإطفاء نار الطائفية البغيضة»، مشدداً على «أننا في بلدكم الثاني المملكة العربية السعودية نشاطركم كل ذلك، ونؤكد لكم استعدادنا التام لمدّ يد العون، والتأييد، والمؤازرة، لكل ما سوف تتوصلون إليه من قرارات، وما تتفقون عليه من أجل إعادة الأمن والسلام إلى أرض الرافدين».
وسارعت الإمارات إلى الإعلان عن دعمها للمبادرة السعودية. كذلك فعل الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، والرئيسان سعد الحريري ونبيه بري.

رفض شيعي ــ كردي

في المقابل، رفض التحالف الوطني العراقي والتحالف الكردستاني دعوة عبد الله. وقالا، في بيان مشترك تلاه القيادي في ائتلاف دولة القانون حسن السنيد، إن «تأليف الحكومة يكون عبر تفعيل مبادرة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني من أجل الوصول إلى حكومة شراكة وطنية عبر البرلمان والدستور». وأضاف أن القيادات السياسية العراقية تلقت دعوة عبد الله «بروح الاعتزاز والتفهم والحرص من قبل الأشقاء على المساهمة في هذه العملية»، مشيراً إلى «أننا إذ نعبّر عن تقديرنا لاهتمام المملكة العربية السعودية بالوضع في العراق ورغبتها في تقديم الدعم للعراقيين، نود التأكيد أن القادة العراقيين يواصلون في إطار مبادرة رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني الخاصة بحل أزمة تأليف الحكومة اجتماعاتهم من أجل الوصول إلى توافق وطني وتأليف حكومة الشراكة الوطنية التي تتمثل فيها جميع المكونات الوطنية»، ومشددة على أن «الحوار العراقي ـــــ العراقي الجاد المبني على التحالفات الوطنية التي تألفت نتيجة تقارب الأهداف السياسية والمتبنيات، قد بدأ يقترب من تحقيق انسجام وطني يمهد لانعقاد مجلس النواب وفقاً لمواد الدستور وقرارات المحكمة الاتحادية».
أوساط المالكي تؤكد أن «التوافق مع علاوي كان شبه مكتمل، ولم يكن بحاجة سوى للاجتماع الذي كان مقرراً بين علاوي والمالكي مساء السبت لوضع اللمسات الأخيرة، حتى جاءت المبادرة السعودية التي نسفت كل شيء. لا شك في أنها محاولة تخريبية، محاولة لتعطيل الحل أو تأخيره بانتظار شيء ما».
السنيد، وفي تصريحات لاحقة، أكد أنّ الكتل السياسية العراقية «تعمل على إنهاء الأزمة خلال أيام»، مشيراً إلى أن «الساسة العراقيين قادرون على التوصل إلى اتفاق من دون تدخل خارجي». وأضاف أن المبادرة السعودية «تعقّد الوضع السياسي في العراق» فضلاً عن أنها ترحّل الحل إلى النصف الثاني من تشرين الثاني. وسارع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إلى استدراك الموقف، ليطمئن المتشككين إلى أن «لا غاية للمملكة من هذه المبادرة سوى مساعدة العراقيين وضمان وحدة العراق وسلامته»، وخصوصاً أن هذه المبادرة «تحترم وتدعم مبادرة البرزاني التي تهدف إلى حل الإشكالية العراقية». وشدد الفيصل على أنّ «ما جرى تداوله حتى الآن هو دعم وتقدير من الأطراف العراقية المختلفة لمبادرة الملك عبد الله».

«العراقية»

أما القائمة «العراقية» فقد رحبت بالدعوة السعودية. وقال علاوي، في تصريح متلفز، إن «القائمة العراقية ترحب بهذه الدعوة الكريمة وخصوصاً أنها تأتي تحت مظلة الجامعة العربية، وأعتقد أن هذه مبادرة إيجابية وكريمة من خادم الحرمين الشريفين، وباعتقادي أنها ستصبّ في تدعيم مبادرة الأخ مسعود البرزاني وصولاً إلى تأليف حكومة شراكة وطنية». ودعا علاوي «القوى السياسية إلى مباركة هذه المبادرة ودعمها، لا سيما أن العراق عضو مؤسس للجامعة العربية وأن هذه المبادرة فرصة لا تعوض، وأرى أن هناك إلى الآن تجاوباً إيجابياً معها».
وقال المستشار الإعلامي للقائمة العراقية هاني عاشور، في بيان أمس، إن «الشعب العراقي سيفقد ثقته بأي انتخابات مقبلة، إذا ما سارت الأمور باتجاه تأليف حكومة أغلبية، وتم تجاوز الاستحقاقات الدستورية الديموقراطية» برفض تولّي علاوي رئاسة الحكومة، مجدداً تمسك قائمته «باستحقاقها الانتخابي والدستوري، لمنع انهيار الديموقراطية في العراق، ومنع إفراغ الآلية الانتخابية من محتواها بتجاوز نتائجها والسعي لبناء سلطة على حساب بناء دولة».
أما المتحدث باسم «العراقية» حيدر الملا، فرأى أن موقف ائتلاف دولة القانون الرافض للمبادرة السعودية «هو امتثالٌ للموقف الإيراني تجاه السعودية». وقال «بات واضحاً للجميع أن إيران نصّبت المالكي مرشحاً لرئاسة الوزراء عما يسمى التحالف الوطني».


«التغيير» تغادر التحالف الكردستاني

أعلنت حركة التغيير الكردية (كوران) (8 نواب) رسمياً انسحابها من التحالف الكردستاني الذي يجمع الأحزاب الكردية في البرلمان العراقي، بسبب عدم استجابة الكتل الرئيسة في التحالف لمطالب إجراء إصلاحات، واستغلال التحالف لتحقيق مكاسب حزبية. وقالت الحركة، في بيان، إنها «طرحت في 16 آب الماضي، أكثر من ألفي مشروع إصلاح سياسي في إقليم كردستان ورئاسة مجلس الوزراء، جسدت المطالب الرئيسة لشعب كردستان وسبل تطوير العملية الديموقراطية في الإقليم». وأضافت أن «استمرار السلطة في (الإقليم) بكسب الوقت واستعمال الائتلاف للمكاسب الحزبية دفعنا الى الانسحاب من ائتلاف الكتل الكردستانية»، في إشارة إلى سيطرة الحزبين الديموقراطي والاتحاد الوطني على التحالف.
وأكدت الحركة أن «شعارنا الرئيسي خلال الحملة الانتخابية هو استبدال التمثيل الحزبي بالقومي».
وجاء انسحاب الحركة بعد اجتماع عقدته مساء الخميس الماضي وحضره رئيسها نوشيروان مصطفى في السليمانية.