تفتحت عيون أطفال اللاجئين الفلسطينيين على الطابور الصباحي في باحات مدارس الوكالة، وعلى كوب الحليب وملعقة «زيت السمك»، قبل توجههم إلى مقعد الدراسة. وكان الأطفال في الوقت نفسه «جيش سخرة» احتياطياً، يساعدون أهاليهم في تسلّم المعونة الغذائية الشهرية، ليعودوا بعدها على ظهر شاحنات صغيرة «معفرين» بالطحين، وقد دسّ كل منهم في فمه قبضة من «النعُّومة*»، مكافأة مستحقة على مجهودهم. وكلما علا صخبهم وصدحت ضحكاتهم، انطلقت من أفواههم سحابات صفراء صغيرة تفضح سرقاتهم البريئة.

هذه بعض من معالم الطفولة في حياة صغار اللاجئين الفلسطينيين، وقد توزعت ما بين مشاركة الكبار هموم النكبة وتداعياتها، وما بين البحث عن أمل في مستقبل لا يعرفون من معالمه سوى أن عليهم، ليكون أفضل، متابعة الدرس والاجتهاد في التحصيل العلمي. فيما جهد الكبار في فتح ثغرة في جدار اليأس الذي نصبه تخاذل أصحاب هتافات نجدتهم، ومؤامرات «الكبار» الذين مكّنوا عدوهم من سرقة بلادهم.
لاحقاً، تقاعدَ «جيش السخرة»، وكفّ الكبار عن التوجه إلى مراكز«الإعاشة»، بعدما قلصت الوكالة معوناتها الإغائية إلى أن أوقفتها تماماً، باستثناء شريحة من اللاجئين صُنفت في خانة «المعوزين»، وجاء إيقاف المعونات بدعوى «تحسن أوضاع اللاجئين المعيشية عبر استيعابهم في سوق العمل المحلية». وطبعاً، هذا لا ينطبق على الكثير من اللاجئين، وفي المقدمة، اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، الذين يحرمهم القانون اللبناني من حق العمل وحقوق إنسانية واجتماعية كثيرة.
اللافت أن ردَّات فعل اللاجئين على هذه التقليصات كانت أقل من مستوى تأثيرها السلبي على حياتهم، وربما يعود السبب إلى انشداد الحالة الفلسطينية بمجملها نحو الإنجازات التي جاء بها نهوض المشروع الوطني، وخاصة في عقد السبعينيات، لناحية تعاظم دور منظمة التحرير السياسي والاجتماعي ومؤسساتها، ونموّ تأثيرها الإيجابي في حياة الفلسطينيين. في الوقت الذي حافظت فيه الأونروا على قوة تأثيرها بين اللاجئين في قطاعَي التعليم والصحة، مقابل اضمحلال هذا التأثير في الجانبين الاجتماعي والإغاثي في تلك الفترة.
تحدث الباحثون بإسهاب عن قصدية الدول الغربية في تسييس تمويل الأونروا، بدءاً من وضع موازنتها تحت رحمة تبرعات غير ملزمة تقدّمها دول مانحة تقف على رأسها الولايات المتحدة. والكل يعرف طبيعة الضغوط التي مارستها ولا تزال واشنطن لتغيير وظيفة الوكالة وتحويلها إلى مؤسسة تنموية تنخرط في مشاريع شطب حق العودة وتوطين اللاجئين بعد تغيير تعريف اللاجئ الفلسطيني ونزع مكانته القانونية وفقاً لما جاء في قرار تأسيسها واستناداً إلى القرار الأممي 194. وهذا ما يفسر قرار أميركا وقف مساهمتها في موازنة الوكالة، بالتنسيق مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

يصف البعض الأونروا بـ «حكومة اللاجئين الفلسطينيين»، مستشهداً بما بات لديها من «وزارات ومؤسسات ودوائر»


التأثير السلبي لهذه السياسة كان مضاعفاً بسبب ضخامة المساهمة الأميركية قياساً بالدول المانحة الأخرى، وفي ظل تعاظم احتياجات اللاجئين الفلسطينيين تحت وقع العدوان والحصار على قطاع غزة، وما شهدته سوريا من أحداث دامية دمرت عدداً من مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين وخاصة مخيم اليرموك، ما أدى إلى تشريد أهلها، إضافة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان، وقد أضافت أعباءً وأزمات جديدة على عاتق اللاجئين الفلسطينيين فوق ما يعانون أساساً جراء حرمانهم من الحقوق الإنسانية والاجتماعية. وزاد من تأثير تقليصات خدمات الأونروا تغييب دور منظمة التحرير ومؤسساتها المعنية باللاجئين، يضاف إلى ذلك، تردي الأوضاع الداخلية الفلسطينية في ظل صراع سلطتين تتنازعان الوهم حول صلاحيات، تقبض عليها بالأساس سلطات الاحتلال.
بالنتيجة، وعلى الرغم من ضعف تمويل الأونروا، تتجه بوصلة اللاجئين نحوها، لما تمثله من مصالح حيوية لمستقبل مئات آلاف التلاميذ والطلبة وعشرات آلاف المعلمين في مدارسها، وآلاف الموظفين والمستخدمين في مجالات عملها الأخرى، وبما تقدمه من مساعدات نقدية وغذائية وعينية طارئة في عدد من مواقع عملها، وإن كانت معاناة اللاجئين واحتياجاتهم تتطلب تقديمات أوسع.
فمنذ سنوات، يصف البعض الأونروا بـ«حكومة اللاجئين الفلسطينيين»، مستشهداً بما بات لديها من «وزارات ومؤسسات ودوائر» ـ على حد تعبيره ـ متخصصة بشؤون التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وتقدم خدماتها لـ 6,3 ملايين لاجئ، بحسب «دائرة نفوس» الوكالة أخيراً. وإذا صح هذا الوصف، فهي أقدم «حكومة مؤقتة» على الإطلاق. فهي وإن أنشئت في عام 1949 كوكالة مؤقتة، إلا أن تجديد تفويضها الدوري كل 3 سنوات، على يد غالبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، منحها الديمومة حتى يومنا هذا.
اللاجئون وأعداء قضيتهم «متفقون» على أن الأونروا «شاهد على النكبة الفلسطينية»، وعلى أنها تعبير قانوني وسياسي عن التزام المجتمع الدولي تجاه تداعيات قضية اللاجئين واستحقاقاتها، وفي المقدمة تنفيذ القرار الدولي 194 الذي ينص على وجوب السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها منذ عام 1948. وعلى قاعدة هذا الاتفاق، تدور بين الطرفين وحلفائهما معركة حامية الوطيس؛ ما بين تمسك اللاجئين بها وتحسين تقديماتها واستمرارها طالما هم لاجئون، وما بين مشروع أعدائهم بإنهائها عبر تجفيف مصادر تمويلها، وصولاً إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وإسدال الستار نهائياً على حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم.

* «النعُّومة»: «قضامة» صفراء مطحونة.