شوقي بزيع: «جبل الباروك»

شوقي بزيع: «جبل الباروك»


(تحية إلى المعلّم كمال جنبلاط)

إنها القصيدة «المرثية»، الطالعة من حداء الرعيان وأوجاع الفلّاحين والفقراء الحالمين بوطن أكبر من الطوائف، والسيف المسلول فوق ذهنية الفجّار والتجار التي تفصل بين مال قيصر والله، بل ترسم الإله ذاته على صورة تجار الهيكل: من جبال زبقين الشامخة في تلال عاملة، وشاعرها شوقي بزيع الذي يرسل الشجن الكربلائي الطالع من خاصرة القرى الممزقة كالحمام الزاجل نحو تلال الباروك، يرثي «المعلّم» كمال جنبلاط الذي اختلطت فيه حكمة الروح الصوفي بأحلام القرامطة، وعصفت في قلبه روح الحضارات التي رأى فيها التجلي المحسوس للفكرة والكلمة المبدعة، وللروح في الإنسان: كأن قصيدة صاحب «عناوين سريعة لوطن مقتول» مرثية لمرحلة كاملة اختصَرت أحلام جيل بأكمله أراد أن يجترح حلماً بالعلمانية والتغيير في البلد المعضلة المحكوم بأورامه الفئوية والانعزالية والطائفية كمرض عضال. أحلام كسرتها تلك الرصاصات الغادرة في الطريق إلى المختارة في آذار (مارس) من عام 1977: ننشر «جبل الباروك» كاملة في ذكرى رحيل «المعلّم» الذي قال يوماً: «أموتُ، ولا أموتُ فلا أبالي/ فهذا العمْرُ من نسج الخيالِ».

أيَّ القصائدِ هذا اليوم أدَّخِرُ أمُتَّ حقاً؟ إذن فالقلبُ ينحسِرُ
وأيُّ شِعرٍ أقول، الشعرُ يسبقني إليكَ والكلماتُ السودُ تنتحرُ
لا قلبَ يخفقُ بعد الآن، لا رجُلٌ من جرحه ذكرياتُ النار تنهمرُ
فكيف أصنع والشعر الذي بيَدي وهْمٌ، وكيفَ أغنّي والمدى حجرُ؟

■ ■ ■

أأنت تسقطُ يا الله كيف بها غزالةُ الشوفِ لمّا هزَّها الخبرُ
عرائسُ الكلماتِ ادخلنَ في جسدي واحلَمْنَ، كلُّ طريقٍ دونه وعِرُ
واكتبنَ: كان أمير النارِ ثمَّ هوى فراحَ كالجمرِ في الأسحارِ ينفجِرُ
وقالَ: ليست نجومُ الأرضِ غير دمٍ إذا حجبناهُ لن يبقى لها أثـَرُ

■ ■ ■

كأنـَّما جبلُ الباروكِ أذهَلَهُ أن تنحني، فمشى في يومكَ الشجرُ
والأرْزُ أفلتَ من حُرّاسِهِ ومشى وفي ثناياهُ من جرحِ الرّدى خدَرُ
لما هَوَيْتَ هوى من بُرْجِهِ بَرَدى وبانكسارِكَ كان النيلُ ينكسِرُ
والمشرقُ العربيُّ الحزنُ يغمُرُهُ عليكَ، والمغربُ الأقصى به كَدَرُ
كأنما أمّةٌ في شخصكَ اجتمعتْ وأنتَ وحدكَ في صحرائها المطَرُ

■ ■ ■

أَظُنُّها طلقاتُ الغدْرِ حينَ هَوَتْ تكادُ لو أبصرَتْ عيْنَيْكَ تَعْتَذِرُ
قُتِلْتَ؟ لا لم تَمُتْ لكنهم كَذِباً تَوَهَّموا، أو أماتَ الغدرُ مَنْ غَدَروا
هذا عليٌّ يُصَلّي فوقَ مسجِدِهِ فيا ابن ملجَم اضْرِبْ إنَّهُ قَدَرُ
وأَغْمِدِ السَّيْفَ حتى العمق في جسدي هذا هِلالُ جِياعِ الأرضِ لَوْ نَظَروا
والدَّمُ ليسَ دَماً بَلْ تِلْكَ نَجمتُهم ستملأُ الأرضَ بالخبزِ الذي انتظروا

■ ■ ■

أرضَ الخسارةِ يا لبنان هَلْ رجُلٌ يُعيدُ للناسِ بعدَ اليومَ ما خَسِروا
كانَ المُدافِعَ عن حُرّيةٍ سُلِبَتْ وَراحَ قِنْديلُها في الأُفْقِ يُحْتَضَرُ
على المناديلِ مِنْ أوْجاعِهِ عَبَقٌ وفي المواويلِ مِنْ أحلامِهِ قَمَرُ
مَضى يُعلِّمُنا كيف الشعوب تَرى الدنيا، وكيفَ طريقُ النَصْرِ يُخْتَصَرُ
وقالَ: هذا اتجاهي فَلْيَكُنْ جَسَدي منارةً وَلأكُنْ جِسْراً لِمَنْ عَبَروا

■ ■ ■

أبا الوليد إذا لبنانُ أرهقَهُ طغاتُهُ فبِكَ الآلام تُختبَرُ
جعلتَ نفسك للآلام جلجلةً ورُحتَ للظمأ الأرضيّ تنتصرُ
بنيت مجدَك أعلى من هياكلهم وما اغتررَتَ ولم تسكَر بما سكِروا
وكلّ ما فتنَ الفانينَ من جشعٍ زهدتَ فيه، فلا مالٌ ولا سُرَرُ
تفتّحَت لك أكوانٌ محجّبةٌ خمورها من شغاف القلب تُعتصَرُ
وراوَدَت جفنكَ المغدورَ أخْيلةٌ لن يدركوها، ولو أعياهُم النظرُ

■ ■ ■

كالطيف تخطر لي ذكراكَ، هل لغةٌ بها ضفاف مداكَ الرحب تنحصِرُ؟
وكيف تتّخذ الألفاظُ وجهتَها وأنت مبتدأ الألفاظ والخَبَرُ
وقد تعدّدتَ حتى لم تعُد جسداً بل شبهةً تترامى حولها الفِكَرُ
ففيك حكمة سقراط التي هزِئَت بالموت، والقيمُ السمحاء والكِبَرُ
وفيك من صورة الحلّاج صرختُهُ ضدّ الطغاة وما افتَوا وما هذَروا
وأنت ترمق جلّاديك مرتفعاً فوق المنايا وتُعليهم وقد صغروا

■ ■ ■

تلك الطريق التي أرْدتَكَ كم قمراً من حولها دارَ، كم حفّت بها عُصُرُ
رأيت فيها دليلَ السالكينَ إلى (مختارة) الروح، واللغزَ الذي سبروا
على يمينك بيت الدين يرفعها نسّاكُها حيث تدنو أنجمٌ غرَرُ
وعند أقصى يسار السفح مملكةٌ من الموسيقى التي ما مَسَّها وترُ
كأنَّ برق السلالات التي انصرمَت يضيء وجهكَ لمْحاً ثم يندثرُ
هناك حيث اليقين الصّرْفُ يبلغه الموحّدون، فلا شكٌّ ولا حذَرُ
وحيث تتحدُ الأديان في المثل العليا، وفي نقطة التكوين تنصهرُ
والموت يدنو ويخبو مثل سنبلةٍ بشالها دمُكَ القمحيّ يأتزرُ
حتى إذا غاصَ في عينيكَ مخلبُهُ راحت سماءٌ من الأحزان تنفطرُ

■ ■ ■

ها أنت مقترنٌ بالشعر تُشرعُهُ مثل الغيوم على المعنى وتنهمرُ
تضيء روحَك مرآتانِ واحدةٌ تنأى وأُخرى هي الأشكالُ والصوَرُ
ما الشعرُ؟ قلتَ، إذا لم يجتَرح فرحاً للخَلقِ، أو يتضوّع فوحُه العطِرُ
ما الشعر إلا وقوفُ الظامئين على بئرِ البصيرةِ، لا ما يدرِكُ البصَرُ
ودنَوتَ حتى تدلّى من غياهبهِ شمساً تُجلّلـها الآياتُ والصُورُ
ورحتَ تفترعُ الرؤيا على قمَمٍ صوفيّة الحدْسِ لم يحلم بها بشَرُ

■ ■ ■

أبا الوليد وهل في الأرض زنبقةٌ إلا لمِثْلكَ يزهو وجهُها النَضِرُ
قدتَ المسيرةَ ما كانت لتُرهبها، وأنت قائدها، الآلامُ والغيَرُ
ورُحتَ تصنعُ للتاريخ مَلحمةً سطورها فوق جذعِ الريحِ تُنحَفِرُ
من آزروك أرادوا أن تعلّمهَم بعض الذي فيكَ من عَزْمٍ إذا عثروا
من خاصموك أرادوا أن تكون لهم ندّاً، ففي شخصكَ الأخصامُ قد كبُروا
وأنت كالنَهْر في الحالينِ تجمعهم من حول مجراكَ، أو كالظنِّ تستترُ

■ ■ ■

قُتِلْتَ؟ ما كانَ ظَنّي أن تموتَ وفي يَدَيْكَ داليةُ الأعمارُ تُبْتَكَرُ
غداً تَجيءُ إذا ما جئتَ عاصفةٌ مِنَ الجماهيرِ لا تُبْقي ولا تَذْرُ
كأنّني ألمَحُ الأجيالَ هادِرَةً وَأنتَ فيها وَلو لَمْ يُسْعفِ العُمُرُ
طالَ ارتحالكَ ما عَوَّدْتنا سَفَرا أبا المساكينِ فارْجعْ نَحْنُ ننتَظِرُ
1977/2022

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي