حملة نتنياهو على «النظام السياسي»: الحرب أداةً للبقاء

يواصل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وائتلافه اليمينيّ، تنفيذ سلسلة من الخطوات الرامية إلى إعادة تشكيل النظام السياسي في إسرائيل، والتي لا تستهدف فحسب تعزيز سيطرة السياسيين على مفاصل الدولة، بل أيضاً تقليص دور المؤسسات القضائية والرقابية والتشريعية، والتي مثّلت تاريخيّاً ركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين السلطات، ومنْع غَلَبة فئة اجتماعية على أخرى، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الطابع الليبرالي للدولة. والتغييرات التي يسعى نتنياهو خلفها، ليست جديدة بالكامل؛ إذ كانت بدأت قبل الحرب على قطاع غزة في عام 2023، وجرى تجميدها لاحقاً نتيجة ردود الفعل الشعبية، وبفعل الحرب نفسها.
ومع ذلك، فإن ما يجري ليس مجرّد تعديلات شكلية، بل تحوّل جوهري في نمط الحوكمة داخل «الدولة العبرية»، مع اشتغال الحكومة على إقصاء المؤسسات المستقلّة عن مركز القرار، وتحويلها إلى أدوات تحت سيطرة السلطة التنفيذية. ويضع هذا المخطط، إسرائيل، أمام حالة غير مسبوقة من التعقيدات السياسية والاجتماعية، متخمة بالفرضيات والسيناريوات التي يصعب استشراف مآلاتها في الوقت الحالي، وإنْ كان واضحاً أنها ستلقي بظلال ثقيلة على الحرب التي جرى استئنافها في غزة، لناحيتي حدودها وإمكانات التسوية فيها.
وفي ضوء ذلك، يرى العديد من المراقبين والمحلّلين في إسرائيل، أن خطوات الحكومة لا تعزّز الانقسامات السياسية والاجتماعية العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي فحسب، بل قد تقرّب الكيان إلى حافة «الحرب الأهلية»، وفق ما أشار إليه وزير الأمن السابق، وأحد قادة المعارضة، بني غانتس، علماً أن الرجل ظلّ، حتى وقت قريب، جزءاً من الائتلاف الحكومي، إذ إن ما يُتَّخذ اليوم من إجراءات، ولا سيما تلك المتعلّقة بالإصلاحات القضائية وتغيير آليات اختيار القضاة، أصبح نقطة خلاف حادّ، مع مصادقة «الكنيست» على قانون يمنح السياسيين والسلطة التنفيذية القدرة على فرض هوية القضاة في المناصب العليا، في ظلّ مقاطعة المعارضة جلسة التصويت.
وعلى خلفية هذا المشهد المُعقّد، يبدو أن الحرب على غزة لم تَعُد مجرّد قضية عسكرية أو أمنية، بل تحوّلت إلى أداة ضمن الصراع الداخلي الإسرائيلي نفسه، مكّنت الحكومة ورئيسها من الاستمرار في السلطة، بعدما كانا مهدّديْن بالسقوط. ومع مرور أكثر من 15 شهراً على جولات القتال الأولى، والتي عادت لتستعر من جديد، في ظلّ استمرار الفشل في تحقيق الأهداف المرسومة للعمليات العسكرية، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت الحرب تُدار بالفعل ضدّ حركة «حماس»، أم أنها تُستخدم كوسيلة لتعزيز مكانة الحكومة وسياساتها الداخلية؟ على أي حال، فإن الواقع المستجدّ يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي في إسرائيل، ويضيف طبقات من الغموض إلى مستقبل النظام السياسي والحوكمة في الكيان، وربّما يؤثّر أيضاً على استقراره، وعلى الحرب نفسها.
يتمتّع ائتلاف الحكومة برؤية وتأثير واسعَيْن وأكثر قوّة، مقارنةً بمعارضيه
وفيما يبدو أن هناك قدْراً من المبالغة في تحذيرات غانتس من الحرب الأهلية، فإن تعامل الحكومة مع التحدّيات الداخلية ربّما يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية والسياسية، ما يقرّب الكيان بالفعل من الاحتراب الداخلي، إذ إن قانون تعيين القضاء، والذي سلك مساره التشريعي، يَنتظر إقراره النهائي قبل عرضه على المحكمة العليا، والتي لا يبدو أنها ستوافق عليه. وفي حال لم تمتثل الحكومة للقرارات القضائية، سيكون التحدّي الداخلي كبيراً جداً، حيث قد تلجأ الأخيرة إلى مواصلة مسارها من دون اعتبارٍ للعراقيل القضائية، خاصة إذا لم تجد خطواتها ردود فعل قوية من الشارع والجمهور.
وعلى الجانب الآخر من المتراس الداخلي الإسرائيلي، ليست ثمة معارضة قوية وقادرة على فرملة خطط الحكومة و«مسارها الإصلاحي»، فيما استراتيجية المعارضة الحالية مشوبة بالثقوب والثغرات، ما يجعلها هشّة وغير فعّالة في مواجهة التحوّلات السياسية الجارية، فضلاً عما تعانيه أحزابها من ضعف كبير نتيجة غياب رؤية واضحة تجمعها على أهداف محدّدة قابلة للتحقُّق. أيضاً، فإن الشخصيات القيادية في هذا المعسكر، وفي مقدّمها بني غانتس، لا تبدو قادرة على تقديم بديل مقنع لنتنياهو أو لسياسات الحكومة، وهو ما يمنع الجمهور الإسرائيلي، والشرائح المتذبذبة في آرائها، من الالتفاف حول المعارضة واعتبارها نداً حقيقياً للحكومة.
ولا يزال المعارضون يعتمدون التظاهرات والاحتجاجات الشعبية وسيلةً لتحقيق أهدافهم السياسية، وعلى رأسها إسقاط الحكومة وتغيير سياساتها. إلا أن التجربة العملية تشير إلى أن هكذا تحرّكات تصبّ، في كثير من الأحيان، في مصلحة الحكومة بدلاً من المعارضة، حتى وإنْ حقّقت نتائج جزئية، كما حدث قبل الحرب. وعليه، فإن هذه التظاهرات ستبقى غير فعّالة، ما لم يجرِ العمل على رفدها بعناصر قوّة لا تظهر متاحة في الوقت الراهن، وتحديداً ما يتعلق بالإغلاق العام الذي لا تقوى عليه إلّا الاتحادات النقابية، التي ما زالت متردّدة إزاء الانضمام إلى الاحتجاجات. وعلى الجانب الآخر، يتمتّع الائتلاف الحكومي برؤية وتأثير واسعَيْن وأكثر قوّة، مقارنةً بمعارضيه، فيما لا يرى ضرورة ملحّة لتعبئة الشارع المؤيّد له بشكل مباشر، إلا إذا كانت هناك حاجة إلى تحسين الصورة العامة وموازنة الرواية السائدة.
لكن، هل يعني ما تقدّم أن الطريق بات ممهّداً لتحقيق أهداف نتنياهو وائتلافه في الساحة الداخلية؟ لا يزال من السابق لأوانه تقديم إجابة حاسمة على هذا السؤال؛ إذ إن المسار طويل ومعقّد ومليء بالعراقيل والتحدّيات التي قد تعيق تحقيق تلك الأهداف. ومع ذلك، يبدو أن الغلبة - حتى الآن - تميل إلى جانب الحكومة والائتلاف، اللذيْن يزنان خطواتهما بعناية قبل تنفيذها، ويستغلّان الفرص المتاحة بدقّة. كما لا يبدو أنهما مستعجلان لتحقيق النتائج، بل يتبعان استراتيجية «قضمة قضمة»، أي التدرّج في تحقيق أهدافهما.
وانطلاقاً من ذلك كله، فقد أصبحت الحرب على غزة جزءاً لا يتجزأ من اللعبة السياسية الداخلية في إسرائيل، حيث تتداخل دينامياتها مع تعقيدات «الجبهة الداخلية»، ما يجعل التوصّل إلى حلول، بالتالي، أكثر صعوبة.