غزا أسلوب «التيكي تاكا» عالم كرة القدم منذ أن جاء به المدرب الهولندي رينوس ميخلز في سبعينيات القرن الماضي. طوّر الأسطورة الهولندية كرويف هذا الأسلوب، ليفرض سيطرته على الكرة الأوروبية في السنوات الأخيرة، ولا سيما مع المدرب الإسباني بيب غوارديولا. إلا أنّ بطولة كأس الأمم الأوروبية 2016 كان لها كلامٌ آخر في هذا الشأن، إذ شاهدنا سقوط «التيكي تاكا» على حساب التنظيم الدفاعي الذي اعتمدته المنتخبات المشاركة في البطولة، وأبرزها «الكاتيناشيو» الإيطالي. وإيطاليا هي الأصل في هذا «التقليد». مُذذاك، شكّل الأسلوب الدفاعي المتماسك عاملاً بارزاً لفوز البرتغال بالبطولة على حساب فرنسا، التي لجأت إلى الهجمات المرتدة والتكتل الدفاعي المنظم في طريقها إلى اللقب. وبعدما أثبت هذا الأسلوب نجاعته خلال البطولة، اقتنع مدربو المنتخبات ذات الإمكانيات المتوسطة بفعاليته، ليترسخ بذلك المفهوم الدفاعي ويبرز بوضوح في بطولة كأس العالم الحالية. الأمر لم يعد مفاجئاً.

توليفة من القوة البدنية والتنظيم الدفاعي واللياقة كانت السر وراء الأداء المفاجئ للمنتخبات متوسطة المستوى في البطولة العالمية. نتج عن هذه التوليفة فشل المنتخبات الكبيرة في تحقيق الفوز بنتيجة كبيرة على المنتخبات الأضعف منها، ومعاناتها في الوصول إلى المرمى وهز الشباك. فحاول المنتخب الإسباني في مباراته ضد المنتخب الإيراني في دور المجموعات فرض الأسلوب الهجومي منذ انطلاق المباراة، في حين لجأت كتيبة المدرب كارلوس كيروش إلى التنظيم الدفاعي، مع الاعتماد على استغلال المرتدّات الهجومية، والتحول السريع من الحالة الدفاعية إلى الحالة الهجومية. الإيقاع الدفاعي عينه اعتمده المنتخب الإيراني خلال مواجهته المغرب، وأسفر عن فوزه بهدف نظيف. سمح كيروش لـ«أسود الأطلس» بالاستحواذ على الكرة، إلا أنّ القوة البدنية للاعبين أغلقت جميع المنافذ المؤدية إلى مرماهم، فكانت السيطرة المغربية «عقيمة» أمام التكدس الدفاعي للمنتخب الإيراني.

سطّرت المنظومة الدفاعية انتصارها على فلسفة الاستحواذ وعلى تألق نجوم الهجوم


ورغم خروج المنتخب المصري مبكراً من المونديال الروسي، إلا أنّ المدرب الأرجنتيني كوبر أكّد أنّ مصر لم تكن لتصل إلى كأس العالم لو لم تنتهج الأسلوب الدفاعي. فقد أسهم الأخير في وصول «الفراعنة» إلى نهائيات كأس العالم لأول مرة منذ 28 عاماً، وبلوغ نهائي كأس الأمم الأفريقية 2017 بعد الغياب عن ثلاث نسخ متتالية. وقدم رجال كوبر أداء بطولياً أمام الأوروغواي في دور المجموعات، إذ عانى سواريز ورفاقه أمام الصلابة الدفاعية للفراعنة. فالتمركز الصحيح من قلبي الدفاع والانضباط التكتيكي للاعبين صعّب مهمة سواريز وكافاني في التوغل والتسجيل، ليأتي هدف الأوروغواي المباغت من خوسيه خيمينيز في الدقيقة الأخيرة من عمر المباراة.
ولم تكن المنتخبات الآسيوية الوحيدة التي اعتمدت على التماسك الدفاعي في مبارياتها، إذ إنّ المنتخب السويدي نجح في الوصول إلى دور الثمانية في البطولة بفضل خطة المدرب أندرسون القائمة على تطوير التكتيكات الدفاعية للمنتخب، فكانت القوة الدفاعية عاملاً أساسياً في خطف بطاقة العبور في المجموعة السادسة، التي تضم المنتخب الألماني والمكسيكي والكوري الجنوبي. الهجمات المرتدة السريعة والصلابة في خط الدفاع كانت المفاتيح لباب التأهل بعد الفوز على كوريا والمكسيك، كما سبب هذا الأسلوب المتاعب للـ«مانشافت» الذين لم يتمكنوا من تحقيق الفوز إلا في ثواني المباراة الأخيرة. إلى جانب ذلك، عوّل منتخب الأوروغواي على دفاعه الحديدي خلال مشواره في المونديال الروسي، لا سيما بوجود ركيزتيه القائد دييغو غودين وزميله في أتلتيكو مدريد الإسباني خوسيه ماريا خيمينيز. وأثبت منتخب الأوروغواي أنه صاحب أقوى خطوط الدفاع في البطولة، فكان الفريق الوحيد في الدور الأول الذي لم تتلق شباكه أي هدف، فتمكنت الأوروغواي بالتالي من التأهل إلى الدور ربع نهائي البطولة بفضل هذه الصلابة الدفاعية. ورغم الالتحامات البدنية الكثيرة التي وقعت بسبب اعتماد الأسلوب الدفاعي، إلا أنّ المونديال الروسي شهد انضباطاً في أداء اللاعبين، إذ بلغت نسبة البطاقات الحمراء 0.06 لكل مباراة، وهي نسبة ضئيلة تؤكد غلبة اللعب النظيف على المباريات.
إذاً، سطّرت المنظومة الدفاعية انتصارها على فلسفة الاستحواذ وعلى تألق نجوم الهجوم، فالرقابة الفردية التي فُرضت على المهاجمين أعاقت قدرتهم على الاختراق والوصول إلى المرمى، فلم يجد هؤلاء الحل إلا عن طريق الكرات الثابتة أو التسديدات بعيدة المدى. فهداف البطولة هاري كاين سجل 3 من أصل أهدافه الست من خلال ضربات الجزاء، الأمر الذي يؤكد الصعوبة التي واجهها المهاجمون في تخطي الدفاعات المحكمة للمنتخبات. رغم غياب إيطاليا، انتصرت «فلسفتها»، بعدما اعتقد الجميع أن «الكاتيناشيو» صار من الماضي.