تتبدل مظاهر الحياة في ديكور واحد، بين خيم بحرية ملونة، وكراسٍ خشبية وباعة متجولين يرفعون أعلام دول المنتخبات المشاركة. تبدو خريطة الكورنيش للمارين غير قابلة للحجز، لذا عليك أن تركن سيارتك قبل الثامنة. على المشجعين من زوار الكورنيش البحري، الذين يرغبون في مشاهدة فريقهم في مبارايات كأس العالم، أن يتوقعوا صعوبة في إيجاد مكان شاغر، والأفضل لأهل البلدة التوجه سيراً على الأقدام من كثرة ازدحام السيارات. تعلق نانسي مشجعة فرنسية تشاهد مباراة منتخب الأرجنتين وفرنسا «لا نتمتع كل يوم بأحداث رياضية كبرى مثل كأس العالم، على الرغم من أنه قد لا يبدو للبعض من داعٍ لكل هذا الحماس من أجل دول أوروبية غريبة عنا، الرياضة لغة مختلفة، بكل بساطة أهم رياضة بالعالم أصبحت مصدر سعادة لمشجعي الفرق المتأهلة ومصدر حزن وخيبة لمشجعي الفرق الخاسرة، ومصدر رزق للكثيرين، ينتظرون كأس العالم كل 4 سنوات». في الواقع، يقع كورنيش الغازية في حضن الزهراني. وهو مرفق وحيد في المنطقة، وقد عانى مثل العديد من نظرائه من البدايات الخاطئة. فبعد دهر من ملازمته النفايات، وإهمال طويل، تحول روضة للترويح عن النفس، جاعلاً من البلدة مقصداً للداني والقاصي تم افتتاحه في عيد التحرير عام 2013. كانت الخطة الأولية مبشرة. وفي نهاية المطاف، تحقق الحلم. اليوم، يعد كورنيش الغازية واحداً من أكثر المحطات إقبالا في الجنوب. شريط جذاب من شاطئ البحر بطول كيلومتر واحد وعرض يتراوح بين 20 و40 متراً. مساحة للذين لا مساحة لهم. يأتي معظم الناس هذه الأيام إلى الكورنيش لمتابعة المونديال تلفزيونياً، من خلال شاشات كبيرة تتوزع في مقاهي «الأكواخ» الخشبية. وبفعل الحماس، صار نسخة متواضعة عن كالينينغراد عند الساعة الثامنة مساء، كما يقول احمد، أحد الرواد.

في الأساس، كان الرئيس السابق للبلدية محمد سميح غدار حوّل على نفقته شاطئ الغازية من مكب للنفايات إلى واجهة لهذه المدينة الساحلية. وصار الجنوبيون يتقاطرون من كافة القرى المجاورة ومن مناطق أبعد، في قضاءي صيدا والنبطيّة، وحتى من صيدا نفسها، إلى كورنيش الغازية الذي تحوّل إلى نقطة جذب رئيسية. يضيف البحر مع الإحساس بالفضاء والهواء الطلق، راحة نفسية للمشجعين بعيداً عن المقاهي الخانقة. في ليالي المباريات، يعج الكورنيش بالمشجعين، كون رسوم مشاهدة المباريات على كورنيش الغازية شعبية وبتناول الجميع؛ لتناول كوب عصير. لن يكلفك الأمر أكثر من عشرة آلاف ليرة. ويمكنك تناول وجبة خفيفة من المقاهي على الشارع المقابل، الذي يحتوي على بعض المقاهي الأنيقة. يقول الكابتن علي حسون معلقاً: «لا شك أن كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبية في العالم. صحيح أن الناس تنتظر دوري كأس أوروبا، الدوري الإسباني، الدوري الألماني، والدوري الإيطالي ولكن يبقى الحدث «الأم» والحضور الأهم هو كأس العالم، وحتى الأشخاص الذين لا نلحظ اهتمامهم بالبطولات الأوروبية ولكن في كأس العالم تجدهم مهتمين، خاصة أن هناك تقليداً وعادة في تشجيع البرازيل وإيطاليا وألمانيا». لهذا السبب يقصد الناس الكورنيش البحري كترويح عن النفس وفسحة لأطفالهم، وفي ذات الوقت يمارسون هوايتهم المفضلة. نتحدث عن مشاهدة مبارايات كأس العالم، لا حدث سياسي. عن «متنفس» في بلد تضيق فيه الخيارات كل يوم. ولا يفوت حسون الإشارة إلى أن الكورنيش «بات معروفاً لذوي الدخل المحدود، نظراً لأسعاره الرمزية نسبة الى المقاهي التي يقصدها البعض لمتابعة المباريات، وتحول الحضور على الكورنيش إلى مساحة ومقصد من كل المناطق المحيطة ببلدة الغازية بتكلفة بسيطة».
هنا، قرب الشاطئ المتوسطي، الذي يصل إلى مرسيليا ونابولي، يحمل المشجعون معهم ذكرياتهم. من المعروف أن مشجعي كرة القدم يفضلون الخروج إلى الشوارع والذهاب إلى المقاهي لمشاهدة فوز فريقهم المفضل، يتحضر أمجد لمشاهدة نهائيات كأس العالم على الكورنيش رغم قوله «ما زالت ذكريات إيطاليا التي فازت بكأس العالم 2006 تلاحقني». هكذا، يصير موسم كأس العالم على كورنيش الغازية «صفقة كبيرة» لأصحاب الأكواخ والاستراحات، هو «موسم ذهبي»، تقول ليليان: «يفوق ما كانوا يتوقعون تحصيله طيلة العام، على الرغم من أن الناس الذين يشاهدون المباراة يطلبون أشياء بسيطة، ولكن هذه الأشياء البسيطة يطلبها الناس بكميات كبيرة، وهذا الأمر يجعل إيرادات موسمهم الصيفي بحجم موسمين». ومنذ أن ألقى كأس العالم في روسيا ظلاله في 14 حزيران، كل شيء تقريباً في كل أنحاء العالم بدا يدور حول كرة القدم، وكذلك العواطف. في كل مباريات كأس العالم هناك لحظات تحرق الذاكرة الجماعية للمنتخب المشارك ومشجعيه، «لحظة خسارة منتخبك»، يقول ابو علي، الذي يحمل ذكرياته معه إلى الشاطئ هو الآخر.
32 قصة لمشجعي المنتخبات في كأس العالم تنتشر على كورنيش الغازية، على جنبي الطريق، لغتها الاحتفالات و«الزمامير»، في جولة سيارة تلي المباراة، لا تخلو من تعليقات يتناولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي والموجودين في نفس المكان، وطبعاً «تزريكات» ضمن الطاولة الواحدة في ذات الاستراحة، ويستمر ضجيج المشجعين لساعات حتى انتهاء آخر مباراة في وقت متأخر من المساء. باستثناء اللعبة التي تنتهي بلا أهداف، إذ يختفي حافز المشجعين لكلا الفريقين، بالعودة إلى المنزل. يعزّي ادهم نفسه ممازحاً «لا يهم إذا كنت سافرت إلى روسيا للمشاركة في كأس العالم FIFA أو إذا كنت تتابعها فقط على شاشة عملاقة: على كورنيش الغازية ستحصل على صورة كاملة».



المونديال مساحة فرح
«كأس العالم يغير النظرة الى الأشياء»، يقول أحد الذين تابعوا الحدث لأول مرة. وبرأيه، تتشابه كالينينغراد وكورنيش الغازية باحتفائهما بالفرح في الساحات بعد معاناة طويلة لأسباب مختلفة منها الحروب والإهمال ومنها أسباب داخلية وديموغرافية تتعلق في كل واحد منهما. بينما تشهد ساحات كالينينغراد الفرح لأول مرة بعد الحرب باستضافة أربع مباريات، كان سبق لكورنيش الغازية أن عاش فرحة مونديال 2014، آخذين في الاعتبار الفارق بين تاريخ المدينتين وحجمهما، فكالينينغراد «تاريخية»، والغازية مجرد محطة وديعة على الشاطئ. ولكن كما تعتبر كالينينغراد نافذة روسيا على بحر البلطيق يعتبر كورنيش الغازية فسحة للمنطقة تطل عالبحر الأبيض المتوسط. كان شاطئاً مهملاً ومرمى للنفايات، بات اليوم نقطة جذب، حوّله المونديال إلى رئة تتنفس منه المنطقة وسكان المناطق البعيدة عن الساحل داخل الجنوب، مثل كالينينغراد التي تدمرت خلال الحرب، ثم استعادت أهميتها الاستراتيجية وتحولت هي أيضاً لرئة بعدما أعيد بناؤها لتكون شاهدة على الفرح لأول مرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. المقارنة «فضفاضة»، لكننا في كأس العالم، والاحتفال مجاني.