قبل أربع سنوات، رمت كولومبيا شباكها على بطولة كأس العالم بعد ركودها لمدّة 16 عاماً تشاهد البطولة عبر شاشة التلفزيون... وصل المنتخب الأميركي الجنوبي إلى البرازيل في 14 من حزيران/ يونيو 2014 وخرج منها مرفوع الرأس، بثلاثة انتصارات متتالية قبل خروجه على يد المضيفة البرازيل في ربع نهائي البطولة. اليوم، تعيد كولومبيا رسم «نجوميتها» في روسيا. مباراتان من أصل ثلاث في المجموعات، ولقاء «حقيقي» في دور الـ 16 أمام الأسود الثلاثة. دموع النجم جايمس رودريغز في 2014 تركت أثرها في عالم المونديال، وإصابته في 2018 تبعث القلق في نفوس 50 مليون كولومبي، قبل مواجهة إنكلترا في سبارتاك موسكو.

عندما وصل جايمس رودريغز إلى البطولة العالمية الماضية، وجد العديد من المتحدثين باللغة الإنكليزية عاجزين عن نطق اسمه بطريقة صحيحة. أسابيع قليلة كانت كفيلة بأن يتحدث العالم باسم هذا النجم الصغير. خرج رودريغز من البطولة كنجم دولي، بقدم ساحرة. وقلنا إنه سيكتب تاريخ كرة القدم الكولومبية. ستة أهداف من خط الوسط تعني أن حذاءه ممكن أن يصير ذهبياً في يوم من الأيام. هدفه الرائع في مرمى الأوروغواي في الدور 16 من بطولة 2014 كان شاهداً.
بعد أربعة أعوام، لم تعد كولومبيا بنفس الطاقة والحيوية، سواء في التصفيات أو في معظم مباريات كأس العالم الحالية. حتى الآن، كولومبيا لم تكن مقنعة. فقط بفوزها على بولندا، الفوز الساحق بثلاثية نظيفة، كان نتيجة «الكفاح» لتأكيد سلطتها نوعاً ما، ولتأكيد تصميمها على الفوز. رودريغز حينها كان رجل المباراة. في مواجهة السنغال، فازت كولومبيا بهدف وحيد، مع خروج نجمها بعد 31 دقيقة فقط، رافقه قلق ملايين الكولومبيين الذين ينتظرون زيادة التاريخ لنتيجة إضافية مغايرة كلياً لما حدث في 1998، حين فاز الإنكليز بهدفين نظيفين في المباراة الرسمية الوحيدة ضدّ كولومبيا في كأس العالم. مع بولندا، شن رفاق كوادرادو هجوماً مميزاً. كان يلعب في مواجهة ثلاثة لاعبين خلفيين، منحوه المساحة لإحداث فوضى في منطقة الجزاء. هذا ممكن أمام إنكلترا؟
بعد سبع مباريات في البرازيل وروسيا في كأس العالم، سجل رودريغز ستة أهداف، وصنع أربعة وهو يبلغ من العمر 26 عاماً، وهو ثالث أفضل هداف لمنتخب بلاده. آمال كولومبيا في التأهل إلى دور ربع النهائي ترتكز بشكل كبير على نجمه. لم يمر على كولومبيا لاعب مؤثر كرودريغز من قبل، مع البعد كل البعد عن شكل الأرجنتين مع عبقرية ليونيل ميسي، أو حتى البرتغال مع كريستيانو رونالدو. رغم كل الحديث عن تطور منتخب إنكلترا، تحت قيادة المدرب غاريث ساوثغيت، فإن فريقه الشاب لم يختبر جدياً بعد في كأس العالم الحالية. لكنهم قدّموا أداءً مقنعاً نوعاً ما في أول مباراتين في مرحلة المجموعات، أظهرت فعالية تهديفية عالية، مع التعويل على المؤهلات الفردية العالية التي يتمتع بها ديلي ألي وهاري كاين. الصدام القوي الذي جمعه بالمنتخب البلجيكي في آخر مباراة له في دور المجموعات، لا يعكس بالضرورة القوة الحقيقية للفريق الإنكليزي، ولا سيّما أن المدرب جاريث ساوثغايت أراح خلالها بعض اللاعبين المحوريين.
على عكس الماكر الأرجنتيني ألان بيكرمان، المدير الفني للمنتخب الكولومبي، فبوجود النجم الكولومبي الموهوب أو بغيابه، الشكل التكتيكي والأسلوب سيبقى على ما هو عليه، مرتدات سريعة، إمساك بخط الوسط مع ضمان سحر قدم صانع الألعاب خوان كينتيرو وتقديم الهدايا للقائد راداميل فالكاو.
قد يصعب على البعض التصديق بأن انكلترا هي المفضّلة للكولومبيين. برأيهم هم الذين اخترعوا اللعبة، ويملكون لاعبين من ذوي الجودة العالية. كما أن ملاقاة إنكلترا دون بلجيكا قد تقلب التوقعات لكولومبيا لإعادة الإنجاز الذي تحقق قبل 4 أعوام بالتأهل إلى ربع النهائي والتقدم الى أبعد من ذلك.

(أ ف ب )


قضية حياة أو موت
استغرقت وقتاً قليلاً، لكن نشرها كان بمثابة الصدمة. صورة كارلوس سانشيز الى جانب صورة اندريس اسكوبار بعد المباراة الافتتاحية لكولومبيا في كأس العالم. تم حذفها بعد وقت قليل. تزامن ذلك مع تحقيق للشرطة، في بلد أمضى عقوداً يحاول الخروج من ذاكرة القتل. مع تعرض سانشيز، مدافع اسبانيول، للطرد من مباراة فريقه مع اليابان، ظهرت بعض التغريدات المستفزة على تويتر، مطالبة بأن يحلّ بهِ ما حلّ بأندريس اسكوبار. قد تكون التهديدات فارغة. لكن تدخل كولومبيا في مباراتها الحاسمة ضد انكلترا تحت ضغط كبير. فريق مرشح للفوز، يشبه منتخب 1994. الفريق الذي رشحه بيليه للفوز بكأس العالم، وصفق له مارادونا بعد فوزهم بخماسية نظيفة على الأرجنتين. الآن، باتت الأمور مختلفة. لكن تغريدة واحدة وهزيمة واحدة أعادت فتح السجلات القديمة. بعد 16 عاماً بلا كأس عالم، وصلت كولومبيا إلى ربع النهائي في 2014. إلا أن الطريق انتهى بهزيمة من البرازيل، وفقرة مكسورة في ظهر نيمار.
ظهرت صورة كارلوس سانشيز إلى جانب صورة أندريس إسكوبار بعد غضب الكولومبيين


خوان ديفيد لوندونو مدير مدونة «فيردولاجا»، الموقع الأكثر شعبية لمشجعي «أتلتيكو ناسيونال»، النادي الذي يعشق الشهيد أندريس إسكوبار. يتذكر الأيقونة القديمة قبل مباراة انكلترا. ويقول: «أحيانًا أصلي له كما لو كان قديساً»، «أطلب منه ألا يتركنا أبداً، لأن انتصاراتنا هي انتصاراته أيضاً». اندريس اسكوبار، قبل استدعائه إلى كأس العالم، تم استدعاء الفريق للقاء بابلو إسكوبار في سجن لا كاتيدرال، الذي يحتوي على ملعب كرة قدم وبار وجاكوزي. لم يكن أندريس، الذي لا علاقة له، يرغب في الذهاب. رغم أنه أخبر أخته منذ فترة طويلة أنه يريد استخدام مهنته لمساعدة بلاده. ذهب مع الفريق. ولعبوا مباراة في سجن اسكوبار. اللاعبون العصريون يشعرون بالشيء نفسه. ثلاثة فقط من لاعبي كأس العالم يلعبون كرة القدم في أندية كولومبيا، لكن معظم اللاعبين الآخرين يملكون مشاريع في بعض المناطق الأكثر فقراً ويعودون كل عام. بعيداً عن أحزان الكولومبيين وأحلامهم، وفي مكان بعيد، «كولونيالي» و«أرقى» نسبياً، طلب جاريث ساوثغايت من لاعبيه «كتابة التاريخ من جديد»، وخصوصاً أن إنكلترا لا تملك حصيلة إيجابية في مباريات مرحلة خروج المغلوب. صحيح أن الفريق يفتقر إلى الخبرة، لكنه تمكّن بفضل هذا المزج بين الموهبة والثقة بالنفس والحيوية من تقديم أداء مُقنع في مباريات دور المجموعات. الفوز في هذه المواجهة، سيجعل إنكلترا بأكملها تؤمن بقُدرة هذا الفريق الواعد على التتويج باللقب العالمي. 
لكن، رغم كل شيء، يأمل «لوس كافيتيروس» تكرار إنجاز البرازيل 2014 والتأهل للمرة الثانية إلى دور الثمانية في كأس العالم، وإيجاد الثغَر في الدفاع الإنكليزي، وخاصة في الجانبين. من يعلم، قد تضع كولومبيا حداً لمعركة الأسود الثلاثة ومشوارهم المونديالي.



السويد وسويسرا: مواجهة متكافئة
لم يعد حضور النجم الأوحد هو السبب في وصول الفرق إلى أدوار متقدمة في كأس العالم. هذا الأمر حدث في روسيا هذا الصيف. وتختصر مباراة السويد وسويسرا اللتين حققتا المفاجأة في الوصول إلى دور ثمن النهائي الجماعية في كرة القدم، حيث ستلتقيان اليوم الثلاثاء في سان بطرسبورغ بحثاً عن مكان بين الثمانية الكبار. وحلّت سويسرا ثانية في المجموعة الخامسة خلف البرازيل للتفوق على المنتخب الصربي الذي كان أول المرشحين للتأهل خلف «السيليساو»، بينما تصدرت السويد، التي أقصت إيطاليا، المجموعة الخامسة لتقسو على بطل العالم المنتخب الألماني حامل اللقب في النسخة الماضية. بدوره، تأهل المنتخب السويدي إلى ثمن النهائي بعد فوزه المقنع على المكسيك بثلاثية نظيفة في مباراته الأخيرة ضمن المجموعة السادسة، بعدما استهل مشواره بفوز صعب على كوريا الجنوبية (1ــ0)، وخسر في الوقت القاتل أمام ألمانيا (1ــ2) بعدما استمر التعادل سيد الموقف حتى الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع.
ويحلم السويديون بتكرار انجاز عام 1994، عندما وصل جيل توماس برولين ومارتن دالين والحارس توماس رافيلي إلى نصف نهائي كأس العالم في الولايات المتحدة، وأنهاها في المركز الثالث. في الجهة المقابلة، فرض الانضباط التكتيكي لمنتخب سويسرا حضوره منذ البداية بتعادل «ثمين» 1ــ1 مع منتخب البرازيل، أحد أبرز المرشحين للقب، ثم حقق فوزاً على صربيا بهدفين لهدف، وضمن تأهله في الجولة الأخيرة من منافسات المجموعة الخامسة بتعادل مع كوستاريكا (2ــ2). وبلغت سويسرا ثمن النهائي للمرة الرابعة في آخر خمس مشاركات (بعد 1994، 2006، 2014 و2018)، علماً بأن أفضل نتيجة لها تبقى بلوغ ربع النهائي ثلاث مرات (1934 و1938، و1954 على أرضها). وتعلّق سويسرا للعبور إلى ربع النهائي آمالاً كبيرة على غرانيت تشاكا وشيردان شاكيري، اللاعبين اللذين تعود أصولهما إلى إقليم كوسوفو ذي الغالبية المسلمة الواقع شمالي ألبانيا.