موسكو | غفا العالم، ليل الثلاثاء - الأربعاء، على وقْع تطوُّر وضَع الجميع في حالة ترقّب، تَمثّل في سقوط صاروخَين في بولندا ومقتل شخصَين من جرّائهما. وفيما سارع العديد من الأطراف إلى توجيه أصابع الاتّهام إلى روسيا، بدا الموقف الأميركي، ابتداءً، أكثر حذراً، تاركاً الباب مفتوحاً أمام احتمالات أخرى. في المقابل، أصدرت وزارة الدفاع الروسية عدّة توضيحات ذكرت فيها أن «الحطام الذي أظهرتْه الصور لا يشير إلى استخدام أسلحة روسية»، مضيفة إن «قوّاتنا لم تشنّ هجمات على أهداف قرب الحدود الأوكرانية البولندية». واعتبرت الوزارة أن ما يُثار عن الحادثة «استفزاز متعمَّد يهدف إلى تصعيد النزاع».

وما هي إلّا ساعات حتى تَكشّفت خيوط الواقعة، حيث أبْلغ الرئيس الأميركي، جو بايدن، الحلفاء في «الناتو» وزعماء «مجموعة السبع» أن الصاروخَين أُطلقا من الدفاعات الجوّية الأوكرانية. وهو الموقف عيْنه الذي صدر عن الرئيس البولندي، أندريه دودا، بقوله إن «الصاروخ أوكراني على الأرجح»، وإنه «لا معطيات حول وقوف روسيا خلْف القصف». وكانت الخطوط الهاتفية قد اشتغلت بسرعة عقب شيوع الخبر، وخصوصاً بين الولايات المتحدة وبولندا؛ إذ أجرى بايدن اتّصالاً بدودا، أكد خلاله التزام بلاده الصارم تجاه حلف «الناتو»، عارضاً دعْم واشنطن الكامل والمساعدة في التحقيقات. وفي السياق عينه، أجرى وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيان اتّصالات بنظيرَيهما في وارسو، أبديا خلالها مساندة الولايات المتحدة لحليفتها في «الأطلسي». وسرعان ما انسحب الموقف على تصريحات الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، الذي قال، في مؤتمر صحافي، إنه «لا مؤشّر يسمح بالقول إن الحادث ناجم عن هجوم متعمَّد»، وإن «التحليل الأوّلي للحلف يفيد بأن الحادثة ناجمة على الأرجح عن صاروخ أطلقه نظام الدفاع الجوي الأوكراني للدفاع عن الأراضي الأوكرانية ضدّ صواريخ عابرة روسية».
ولقي الموقف الأميركي ترحيباً في موسكو، حيث اعتبر الكرملين على لسان الناطق باسمه، دميتري بيسكوف، أن «واشنطن أظهرت احترافيّة أكثر من الأوروبيّين حيال حادثة سقوط الصاروخ في بولندا»، لافتاً إلى أن ردّ عدد من الدول على الحادثة «يُظهر أنه لا داعي للتسرّع في تصريحات من شأنها تصعيد الموقف»، وأنه «كان بإمكان بولندا أن تُعلن مباشرة أن الصاروخ الذي سقط على أراضيها، لا علاقة له بروسيا». من جهته، رأى نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، أن «ما يشنّه الغرب من حرب هجينة ضدّ روسيا، يزيد من احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة».
وجاءت حادثة الصاروخ قبل ساعات من صدور البيان الختامي عن قمّة دول «مجموعة العشرين» في إندونيسيا، حيث طغى الخلاف في شأن الموقف من الحرب في أوكرانيا، لينتهي الأمر إلى إعلان أن غالبية الدول الأعضاء في المجموعة «تدين بحزم الحرب في أوكرانيا»، مع الإشارة إلى تباين وجهات النظر، فيما لفتت وكالة «رويترز» إلى أن موقف الصين والهند اللتَين امتنعتا عن التصويت في آذار الماضي على قرار أممي يدين الحرب، لم يتّضح. وجاء في البيان الختامي الذي حذّر من استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها، أن النزاع «يقوّض الاقتصاد العالمي».
في غضون ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية «نجاح» الضربات الصاروخية الواسعة التي نفذتها، أوّل من أمس، في أوكرانيا، مشيرة إلى أنها «استهدفت القيادة العسكرية الأوكرانية، ومنشآت الطاقة المرتبطة بها»، نافيةً أن تكون «الضربات الفائقة الدقة» قد شملت كييف، حيث نتجت الأضرار التي سُجّلت في المدينة من سقوط صواريخ مضادّة للطائرات أطلقتْها القوات الأوكرانية، بحسب الوزارة. من جهتهم، وصف مسؤولون أوكرانيون القصف الروسي بأنه الأعنف منذ بدء الحرب في 24 شباط الماضي. وقال الناطق باسم هيئة الأركان الأوكرانية، ألكسندر شتوبون، إن القوات الروسية «شنّت هجوماً بأكثر من 100 صاروخ على البنى التحتيّة العسكرية والمدنيّة في أوكرانيا».