تمكّنت بريطانيا والاتحاد الأوروبي من تفادي ما وصفته صحيفة «ذا غارديان» بـ»الكارثة»، يوم الخميس، عبر التوصل إلى اتفاق تجاري لمرحلة ما بعد «بريكست». وقد أسدل هذا الاتفاق، الواقع في حوالى 1200 صفحة، الستار على نحو عشرة أشهر من مفاوضات مضنية بشأن طبيعة العلاقة مع التكتّل، حينما تغادر المملكة المتحدة السوق الموحّدة. وهو يغطّي مسائل من الصيد إلى المنافسة المستقبلية بعد 31 كانون الأول/ديسمبر.

وفي السياق، يعني الاتفاق أنّه لن تكون هناك أي رسوم أو حصص على المنتجات البريطانية والأوروبية التي يتبادلها الطرفان. وسيبقى على الصادرات البريطانية الامتثال لمعايير الصحّة والسلامة التي يضعها الاتحاد الأوروبي، بينما تحكم قواعد صارمة المنتجات المصنوعة من مكوّنات مصدرها خارج المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.
من جهة أخرى، كان وصول صيّادي الاتحاد الأوروبي مستقبلاً إلى مياه بريطانيا الغنية، من بين أبرز المسائل الشائكة والقابلة للاشتعال سياسياً، وآخر نقطة تم حلّها قبل الإعلان عن الاتفاق. وأصرّت بريطانيا مراراً على أنها ترغب في استعادة السيطرة الكاملة على مياهها، بينما سعت دول الاتحاد الأوروبي الساحلية إلى ضمان حقوق الصيد في مياه المملكة المتحدة. وفي النهاية، توصّل الطرفان إلى تسوية تقضي بأن تتخلّى قوارب الاتحاد الأوروبي تدريجياً عن 25 في المئة من حصصها الحالية خلال فترة انتقالية مدّتها خمس سنوات ونصف، وسيتم إجراء مفاوضات سنوياً بعد ذلك على كميات السمك التي يمكن لقوارب الاتحاد الأوروبي الحصول عليها من المياه البريطانية. وفي حال لم تكن النتيجة مرضية بالنسبة إلى بروكسل، فسيكون بإمكانها اتّخاذ تدابير اقتصادية ضد المملكة المتحدة.
وقد ظهرت عثرة أخرى تمثّلت في ما أطلق عليه قواعد «الفرص المتساوية» التي أصرّ عليها الاتحاد الأوروبي لمنع الشركات البريطانية من امتلاك أفضلية على منافساتها الأوروبية، في حال خفضت لندن معاييرها مستقبلاً أو دعمت الصناعات لديها. كذلك، عملت المملكة المتحدة جاهدة لتجنّب قيام نظام من شأنه أن يمكّن بروكسل من إجبارها على الالتزام بقواعد التكتل في مسائل على غرار القواعد البيئية أو العمالة أو الدعم الذي تقدّمه الدولة للشركات.
في هذه الأثناء، تجد المملكة المتحدة نفسها أمام تحدّيات تمليها الحقبة الجديدة التي تُقبل عليها كدولة خارج نطاق القواعد الأوروبية. فبينما يتيح الاتحاد الأوروبي لدولته العضو السابقة وصولاً استثنائياً من دون رسوم جمركية أو كوتا إلى سوقه الضخم الذي يحوي 450 مليون مستهلك، إلّا أنّ هذا الانفتاح سيكون مصحوباً بشروط صارمة. وعلى هذا الصعيد، سيتعيّن على الشركات في الضفة الشمالية للمانش احترام عدد معيّن من القواعد الجديدة، في ما يتعلّق بالبيئة وقانون العمل والضرائب لتجنّب أي إغراق للأسواق. كذلك، ستواجه الأعمال التجارية البريطانية سلسلة قيود جديدة على الواردات والصادرات عبر المانش. وثمّة أيضاً ضمانات على صعيد مساعدات الدولة.
وبالرغم من أنّ المملكة المتحدة أفادت بأنّ الاتفاق يسمح بالاعتراف بخطط «التاجر الموثوق» التي من شأنها أن تخفّف البيروقراطية على الجانبين، إلّا أنّه لم يتّضح بعد إلى أي درجة يمكن تطبيق ذلك.
ومن هذا المنطلق، حذّر الطرفان من أنّ «تغييرات كبيرة» مقبلة اعتباراً من 1 كانون الثاني/يناير بالنسبة إلى الأفراد والأعمال التجارية في أنحاء أوروبا. ولن يكون من الممكن أن يواصل مواطنو المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي الاستفادة من حرية الحركة للإقامة والعمل على طرفي الحدود. وفي هذا الإطار، أكدت بروكسل أنّ «حرية حركة الناس والبضائع والخدمات ورؤوس الأموال بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ستنتهي». وأضافت أنّ «الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة سيشكلان سوقين منفصلين: فضاءان تنظيميان وقانونيان منفصلان. سيخلق ذلك قيوداً في الاتجاهين على تبادل البضائع والخدمات وعلى الحركة عبر الحدود والمبادلات، غير موجودة اليوم».

دُعي النواب إلى العودة من العطل لمناقشة النص اعتباراً من الأربعاء


وبالفعل، لم يخفِ ممثلون للصيادين الأوروبيين إحباطهم من التسوية، لكن مدير اللجنة الوطنية للصيادين البحريين الفرنسيين جان - لوك هال يوفر، رأى أنّ الاتفاق رغم كلّ شيء يخلق «ارتياحاً لأنّ خطر عدم التوصّل إلى صفقة كان كبيراً وكان سيمثل كارثة على الصيادين الفرنسيين». ومن الجانب البريطاني، يوجد شعور بـ»الإحباط والغضب»، كما أكّد مدير اتحاد الصيادين باري ديس لوكالة «بي آي»، معتبراً أنّ «بوريس جونسون أراد اتفاقاً تجارياً شاملاً، وكان مستعدّاً للتضحية بالصيد».
ولكن مع اصطفاف الآلاف من مركبات نقل البضائع والمخاوف من نقص المنتجات الطازجة، منح الاضطراب الناجم عن إغلاق حدود نحو 50 دولة في الأيام الأخيرة، بما في ذلك الموانئ الفرنسية والبلجيكية والهولندية، صورة عامة عمّا قد ينتظر البريطانيين في حال إخفاق مفاوضات «بريكست» مع بروكسل.
في هذه الأثناء، دُعي النواب إلى العودة من العطل لمناقشة النص اعتباراً من الأربعاء. ولا يبدو أنّ تبنّيه سيواجه عراقيل، خصوصاً أنّ حزب «العمّال» المعارض ينوي دعمه. وبحسب صحيفة «تايمز»، يشكّل الاتفاق «مصدر ارتياح أكثر من كونه مصدر احتفال». فرغم أنه يعدّ «إنجازاً رائعاً»، فإنّ «الخاتمة لا تزال بعيدة لبوريس جونسون. فالآن، بعدما أوفى بوعده بتنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التحدّي هو في إنجاح ذلك»، وفق الصحيفة.
من جهتها، حذّرت صحيفة «ذا غارديان» من أنّ «تجنّب السيناريو الأسوأ هو إنجاز مثير للشفقة. السيّد جونسون لا يستحق الثناء على تجنّبه لكارثة كانت قريبة جداً، لأنه كان يتّجه نحوها بحماسة».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا