مثل معظم أقسام الشرطة في المدن الأميركية الكبرى، يدلّ التضخّم في موازنة شرطة شيكاغو على قمعٍ لا على حماية للسكّان، وتحديداً الأقليات. فقسم شيكاغو يُعدُّ الثاني من حيث الحجم في الولايات المتحدة، بعد نيويورك، بموازنة تبلغ 40% من الأموال المخصصة للمدينة. لقد مثّل الوجود التاريخي للشرطة في الولايات المتحدة امتداداً لجهاز نظام السجن العام، حيث يعاد استخدام دورية العبيد الهاربة لمرّة واحدة في جهاز عسكري يستهدف ـــ من أجل الحفاظ على إرث الاستعمار الداخلي لأميركا الشمالية ــ بشكل غير متناسب أصحاب البشرة الداكنة، تطبيقاً لنظام الدولة العنصري. فضلاً عن ذلك، عمل هذا النظام على استهداف عدد من المؤيّدين البارزين لإلغاء النظام العنصري. ففي 1970، على خلفية التأطير العنصري، سِيقَت الناشطة السوداء في مجال حقوق الإنسان أنجيلا ديفيس إلى السجن، بتهمة القتل. لم ترتكب ديفيس أي جريمة، لكن اعتقالها ومحاكمتها جاءا على خلفية مساعدتها جوناثان جاكسون، شقيق زميلها الثوري جورج جاكسون، في محاولة فاشلة لتحريره واثنين آخرين من السجن ذلك العام.

بالنسبة إلى مجموعات مثل «مجلس مساءلة الشرطة المدنية» (CPAC)، المنبثقة من جهود تحقيق العدالة لديفيس، شهدت الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة لجرائم عنصرية الدولة عودةً في أعقاب جريمة قتل جورج فلويد والاحتجاجات التي خرجت في ضوئها. وعلى رغم تأسيس المجموعة عام 1973، في أعقاب انتفاضة حركة الحقوق المدنية، جمعت المنظمة مئة ألف عضو. زعيمها فرانك تشابمان يقول لـ«الأخبار»، إن «أصداء الحركة سُمعت في الخارج»، كأن يُرمى النصب التذكاري لتاجر الرقيق، روبرت ميليغان، في نهر في لندن في التاسع من الشهر الجاري... «حتى هناك، إنهم يسقطون تماثيل العبيد». على مدى الأسابيع الماضية، اعتُمد حول العالم تكتيك تحطيم وتشويه أيقونات العنصرية، لإحياء ذكرى المحفزات الرئيسية لنظام العبودية، والمتواصلة في شكل آخر تمثّله وحشية الشرطة الأميركية راهناً. يضيف تشابمان: «ولدت الرأسمالية والرقّ معاً تزامناً مع فترة الاستعمار. العبودية هي بقعة دم الرأسمالية».

الحراك الأميركي
على رغم الفروق الأيديولوجية والطيف المتنوّع لمجموعات الحراك الأميركية، يؤكد تشابمان أن «الناس يتّحدون»، ويشكّلون معاً مجموعات مثل «القمع العنصري والقمع الوطني، ومتّحدون مع حياة «السود مهمّة»، وBYP100»، وجميعها قوى تقاتل ضدّ الظلم في هذا البلد. الشعارات المختلفة تتوحّد تحت سقف رفع الدعم عن الشرطة، وأحياناً إلغائها. يقول تشابمان: «نعم إلغاؤها، لكنّنا بحاجة إلى معرفة كيفية تحقيق ذلك». من هنا، يؤكّد أن الناشطين «يقاتلون من أجل تولّي مسؤولية مجتمعاتهم الخاصة»، عبر المطالبة والدفع في اتجاه «السيطرة المدنية الكاملة على قسم الشرطة». ويوضح في هذا الإطار الفرق الكبير بين السيطرة المجتمعية الكاملة و«التمثيل»، فالأخير يحافظ على ديناميّات السلطة القائمة سليمةً. «يمكننا نزع سلاح الشرطة... علينا تغيير علاقات القوة»، يلفت تشابمان، قبل أن يشدّد على أن هذه الحلول السياسية لن تتحقّق بالوسائل السياسية البحتة، بل عبر «النضال الجماهيري والتنظيم الهادف إلى إحداث التغييرات السياسية» اللازمة. يجادل أيضاً بأن النظام غالباً ما يقدِّم تنازلات تجنباً لتغيير جوهري. لذا، وَجَبَ تغيير ديناميّات القوّة عبر الناس: «دعونا أولاً نمكّن الناس، وبعد ذلك يمكننا معالجة مسألة نزع السلاح... لن يتغيّر هذا النظام حتى يغيّره الناس أنفسهم».

كيف يستجيب الحراك للحوكمة؟
يبدو أن المحتجّين لا يطالبون بإصلاحات، أو تنازلات، أو تمثيل مزيّف. «الأنظمة ستعطيكم بعض الإصلاحات التي لن تكون جوهرية»، يقول تشابمان، مشيراً إلى أنه رداً على المطالبات بتغيير في هيكلية السلطة، فإنّ تغييرات بسيطة و«تعديلاً في الموازنة»، يعدّان أكثر بقليل من «إعادة ترتيب مقاعد في (سفينة) التايتنك».

شرطة شيكاغو مثلاً تتدرّب بانتظام مع الجيش الإسرائيلي داخل الكيان


القرار التنفيذي للرئيس دونالد ترامب، القاضي بزيادة التدريب على استخدام القوّة، ومنع استخدام الخنق أثناء الاعتقال، وإنشاء قاعدة بيانات حول سوء السلوك، يُعدُّ من الاستراتيجيات الخطابية التي تحافظ على النظام السياسي التاريخي، على رغم التشدّق بإحداث تغييرات. بشكل رئيسي، إنّ الإجماع النيوليبرالي على تحسين المشكلات النظامية عبر الحلول الفردية، ومن بينها مثلاً إصلاح الشرطة، يساعد في استمرار دولة الشرطة العنصرية. لم يعلُ صوت المجتمع على خلفية قرار ترامب الهادف إلى محاربة التمرّد؛ «نحن نرفض هذه الإصلاحات. نريد تغييراً حقيقياً». وللحصول على هذا التغيير «نريد من الناس أن تتحمّل المسؤولية»، يضيف تشابمان، «في شيكاغو، قدّمنا بعض التشريعات، ومن أجل تغيير قانون البلدية، سنكون مفوّضين للقول من هو المفوّض في مجتمعنا. نريد أن نحدّد الموازنة. سنكتب دليل السلوك وكيفية تصرّف الشرطة، ومتى ترتكب جرائم، ومتى تكون مسؤولة، ومتى يرسل عناصرها إلى السجن».

البعد الأممي
تشابمان، مثل العديد من مؤيّدي إلغاء العنصرية في الولايات المتحدة، يعتمد على الترابط الأممي بين العنف الإمبريالي في الخارج ووحشية الشرطة ضدّ السود في الداخل. أنجيلا ديفيس ربطت عام 2015 المشهد في فيرغسون ـــ ميسوري، خلال الانتفاضة على وحشية الشرطة عام 2014، بغزّة، نظراً إلى مستوى عسكرة الشرطة. «عسكرة الشرطة تقودنا إلى التفكير في إسرائيل وعسكرة الشرطة هناك»، كتبت في كتابها الصادر عام 2015، «الحرية نضال مستمر: فيرغسون، فلسطين، وأسس الحركة» Freedom Is A Constant Struggle: Ferguson, Palestine, and the Foundations of a Movement. في أعقاب إطلاق «الحرب على الإرهاب»، جُهّزت أقسام الشرطة في أنحاء الولايات بوسائل «محاربة الإرهاب» المزعوم.
بطريقة مماثلة، تشابمان، الذي يعمل بشكل وثيق مع المجتمع الفلسطيني في شيكاغو ضدّ المراقبة ووحشية الشرطة، يعيد صياغة المفهوم نفسه لدى تذكيره بالتبادل المميت بين الجيش الإسرائيلي والشرطة الأميركية. شرطة شيكاغو مثلاً تتدرّب بانتظام مع الجيش الإسرائيلي داخل الكيان نفسه، كما أنّ الشرطة في مختلف أنحاء المدن الكبرى في الولايات المتحدة حضرت مؤتمرات تستضيفها القنصلية الإسرائيلية في شيكاغو. حضرت الشرطة في إسرائيل والفيليبين مؤتمراً في شيكاغو نظّمته المدينة والحكومة الأميركية. «منظمة الشرطة الدولية كانت المضيف»، يقول تشابمان، «نحن متّحدون مع شعوب العالم في كشف اتحادات الشرطة المصمَّمة لقتل وتهديد حركات التحرّر (عبر العالم)».
بعدما عمل جنباً إلى جنب مع الثورية الفلسطينية رسميّة عودة، أثناء عملها لأكثر من 20 عاماً مع «شبكة العمل العربي ــ الأميركي» في شيكاغو، توصّل تشابمان إلى خلاصة «دعم الحراك غير المشروط لنضال الشعب الفلسطيني، في وجه المحتلّين الإسرائيليين». و«هذا ليس عملاً خيرياً، إنها مصلحة متبادلة، ونحن ندعمهم»، يقول.