هكذا يبدو مشهد الاحتجاجات في نيويورك وغيرها من المدن الأميركية على خلفية مقتل جورج فلويد: سلميّة نهاراً، وأعمال شغب ونهب ليلاً، ثم صباحاً تنظيف الشوارع ولملمة الحطام. يتكرّر هذا المشهد منذ نحو أسبوع، كأنه بات روتيناً يكشف عن ثلاث مجموعات مختلفة التوجه على الأرض. ورغم فرض حظر تجوال في نيويورك من الـ11 مساءً حتى الخامسة صباحاً، فإن الإجراء لم ينجح في منع عمليات النهب والتحطيم التي طاولت مراكز الأعمال الرئيسية في أحياء مانهاتن.

ونيويورك المدينة، حيث يعيش نحو 8.5 ملايين من مجموع حوالى 20 مليوناً يقطنون في الولاية، هي العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة، وتمثّل البوابة الرئيسية للهجرة القانونية، كما تتميَّز بتنوّع ثقافي وعرقي كبير. أسوةً بغيرها من المدن الأميركية، اندلعت احتجاجات في نيويورك إثر مقتل فلويد خنقاً على يد الشرطة. وفيما خرج آلاف المحتجين إلى الشارع للتنديد بوحشية الشرطة والمطالبة بإصلاحات، تعمَّد بعض المجموعات استغلال ما يجري لنهب وتحطيم مراكز المدينة ومحالها التجارية.
يحظى حاكم نيويورك، أندرو كومو، بتأييد غالبية شركات التكنولوجيا العملاقة في وادي السيلكون، خصوصاً أن مؤتمراته الصحافية شبه اليومية في أوج انتشار وباء كورونا اتّسمت بطرح تصوّر لنيويورك يعيد بناءها بشكل يربطها أكثر بالتكنولوجيا. صوّر الإعلام الليبرالي المناهض لترامب، كومو، على أنه بطلٌ قوميّ بتصدّيه للفيروس، رغم أن غالبية ما تفوّه به لم يرقَ إلى مستوى الأفعال، وظلّت المدينة التي اتبعت إجراءات الحدّ الأدنى بؤرة الوباء أميركياً. فشلٌ جديد أضيف إلى سجّل الحاكم بعدما أصدر ورئيس بلدية مدينة نيويورك، بيل دي بلاسيو، بيانَيْن متماهيين مفادهما أن الرجلين متّفقان على شرعية التظاهرات السلمية، لكونها تحمل مطالب محقّة. كما اتفقا على أن أعمال الشغب والنهب تضرّ بسمعة المتظاهرين، وبالمراكز التجارية. بناءً عليه، أعلن مساء أول من أمس حظر تجوال ليلي. لكن لم يتمكّن ثمانية آلاف شرطي نشروا في شوارع المدينة، ليل الإثنين، من إخراج الناس، أو حماية الممتلكات من النهب والتدمير، وبقي بعض المحتجين حتى الثانية فجراً. إثر ذلك، أقرّ الحاكم كومو تمديد حظر التجوال يوماً إضافياً، وبدءاً من الثامنة مساءً.
يدعو حظر التجوال في نيويورك إلى طرح تساؤلات عن هذا الإجراء، ولا سيّما أن حصار «كورونا» ومئات آلاف الضحايا التي خلّفها في المدينة الموبوءة لم تدفع الحاكم سوى إلى إسداء نصائح بالتباعد الاجتماعي والتزام المنازل كإجراء غير مُلزم، لكنه لم يفرض حظراً للتجوال. فكان يدافع عن حقوق الأفراد في خضمّ انتشار الوباء، ويردّد أنه لن يقمع حرية هؤلاء في الخروج من منازلهم. وحين وصل الأمر إلى الاحتجاج على خلفية مقتل مواطن أسود، رأى أنه لا سبيل لحماية الناس والممتلكات سوى بقمع هؤلاء وإخراجهم مِن الشارع. وللمفارقة، يعود آخر حظر تجوال فُرض في نيويورك إلى عام 1943، بعدما أطلق ضابط شرطة أبيض النار على جندي أسود في مانهاتن، وحدث إثر الجريمة شغب واحتجاجات ندّدت بالعنصرية والعنف الممارس من الشرطة ضد غير البيض.