لندن | لحظة تاريخية تشهدها بريطانيا، اليوم، وهي تقلب صفحة مهمة من تاريخها المعاصر، فتقضي الساعات الأخيرة من عمر عضويتها في الاتحاد الأوروبي بعد دراما «بريكست»، التي دامت 42 شهراً. ورغم بعض الاستعدادات لإجراء احتفالات رسمية بالاستقلال الرمزي، إلا أنّ مزاج العاصمة يبدو أقرب إلى الاكتئاب منه إلى الفرح، لا سيّما بعدما فشل مشروع اليمين في فرض تشغيل استثنائيّ لساعة «بيغ بين»، كي ترافق أجراسها لحظة الوداع، التي أصرّ الأوروبيون المتفائلون على تسميتها بـ«لحظة إلى اللقاء». أجواء من التوجّس تتغلّب على الجميع، بمن فيهم أنصار «بريكست»، وخوفٌ ممّا ستفضي إليه مآلات مرحلة بريطانيا الجديدة.

لن تُقرع أجراس ساعة «بيغ بين» في لندن، عند منتصف الليل، لحظة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، تنفيذاً للاتفاق بين الطرفين بشأن «بريكست». ففي سخرية رمزية ولاذعة من القدر، تعذّر تقنياً إجراء اللازم لإيقاظ الساعة الغائبة عن الوعي، نتيجة أعمال صيانة واسعة. رئيس حزب «بريكست» اليميني المتطرّف، نايجل فرّاج، سيستغل الأمر لإطلاق لعبة إلقاء اللوم بشأن متاعب الإمبراطورية العجوز المتقاعدة، وذلك عبر الخطاب الاحتفالي الذي سيلقيه في ساحة البرلمان في قلب العاصمة. وهذه المرّة، سيوجّه سهامه إلى المنظومة الحاكمة، وربما إلى المهاجرين والمسلمين والملوّنين واليساريين من أتباع موسكو و«الخضر» وغيرهم. أمّا الحكومة، فستستعيض عن أجراس «بيغ بين» بساعة عدّ عكسي ضوئية، تشعّ على مقرّ رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، ابتداءً من الساعة العاشرة مساءً، وأيضاً بعرض ضوئي متواضع في حي الحكم، ورفع مكثّف لأعلام المملكة المتحدة في جوار البرلمان، والساحات العامة، مع إزالة أعلام الاتحاد الأوروبي عن المباني الرسمية. وينظّم بعض الأثرياء سهرات خاصة للمناسبة، استقصد عدد منهم الاعتذار مسبقاً عن تقديم نبيذ فرنسي أو بيتزا إيطالية فيها.
وكما يليق بديكتاتورية تامّة، أعلن مكتب رئيس الوزراء بوريس جونسون أنه سيلقي خطاباً للأمّة، سيتمّ تسجيله من قبل كادر رسمي، قبل أن يوزَّع على القنوات التلفزيونية لعرضه، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً بين الإعلاميين. في المقابل، سيشهد بعض المواقع الأخرى في لندن والمدن الكبرى، وعواصم الأقاليم الطرفية (أدنبرة وبلفاست وكارديف)، وقفات حزنٍ ووداع من قبل معارضي «بريكست»، حيث سيصدحون بنشيد الاتحاد الأوروبي ويلوّحون بأعلامه، في ما سيبدو كأنّه استمرار للشرخ الذي أصاب الأمة البريطانية منذ حزيران / يونيو 2016، لحظة أجري استفتاء شعبي اختارت فيه غالبية بسيطة (أقل من 52 في المئة) مغادرة التكتل الأوروبي.

يتنطّح الأميركيون إلى الحلول محلّ الأوروبيين ويبدو أنّ لديهم أجندتهم الخاصّة لذلك


ورغم هذه المظاهر العابقة بالاستعراض الرمزي، إلا أن أجواء الوجوم والتوجّس هي السائدة على المزاج البريطاني العام، ترقّباً لليوم التالي، ليس فقط على الصعيد الشعبي، بل في قطاعات الإنتاج والزراعة والأعمال، إذ إن عبور جسر 31 كانون الثاني / يناير، لن يكون سوى «نهاية للبداية فقط» ــ وفق القول الإنكليزي الشائع. الآن، تأتي المرحلة التالية التي قد تمتدّ سنة على الأقل، للتوافق مع بروكسل على شكل العلاقة التجارية بين الجانبين (52 في المئة من تجارة بريطانيا تجري حالياً مع الاتحاد الأوروبي)، والتي يسعى الأوروبيون لأن تكون على غرار النموذج النروجي (دفع اشتراكات، والتزام جمركي، من دون حقوق تصويت)، بينما يريدها غلاة اليمين الإنكليزي نوعاً قليل الدسم من ذلك. ولعلّ الإشارات التي تأتي من لندن في هذا الشأن غير مطمئنة، إذ أفسد برلمان اسكتلندا الحفل قبل بدئه، عبر تصويته لمصلحة إجراء استفتاء على الاستقلال عن المملكة المتحدة، وكلّف الوزيرة الأولى نيكولا ستروجن، المعروفة بموقفها الصريح تجاه رفض «بريكست» وحكم «المحافظين»، بالشروع في محادثات مع لندن في هذا الشأن. ورغم أنّ حكومة الإقليم، وفق الدستور، لا تملك صلاحية إجراء مثل هذا الاستفتاء، إلّا أنّ مشاغبة الإقليم الشمالي قد تخلق متاعب كبرى للحكومة المركزية، أثناء محادثاتها التجارية مع الأوروبيين، وتفتح الباب أمام تدخلات أوروبية محتملة. كذلك، تبدو الأوضاع في شمال إيرلندا مرشحة للانفجار بسبب عقدة الحدود بين شطري الجزيرة، والتي تمّ تأجيلها من دون حسم. يأتي كلّ ذلك بينما سارعت وزيرة الداخلية البريطانية اليمينية المتطرّفة، بريتي باتيل، إلى التلويح بمشروع نظامٍ جديد للهجرة، يفرض على من يرغب الإقامة في بريطانيا الحصول على دخل سنوي لا يقل عن ثلاثين ألف جنيه إسترليني (حوالى 39 ألف دولار تقريباً)، وهو مبلغ يفوق دخل ثلثي الرعايا الأوروبيين العاملين في المملكة، الأمر الذي قد يتسبّب في خلافات واسعة مع الاتحاد. فضلاً عن ذلك، تريد جهات أخرى شروعاً فورياً في تعديل التشريعات البريطانية للتحرّر من سطوة الاتحاد الأوروبي، في مجالات حقوق الإنسان والبيئة، وقوانين العمل، ومواصفات المواد الغذائية والاستهلاكية، والحماية الجمركية... وكلّها مسائل قد تنتهي بحروب تجارية وتعقيدات قانونية ولوجستية هائلة. هذا كلّه فضلاً عن توقّعات يغلب عليها التشاؤم، باقتصاد منكمش، وتضخّم وتراجعٌ محتمل.
بروكسل تبدو، إلى الآن، كأنها اتخذت موقفاً فلسفياً تمثّل في قبول واقع «بريكست»، على أمل أن تنجح المحادثات المقبلة في تذليل صعوبات محتملة، قد تحول دون بقاء لندن في الفلك الأوروبي، بغض النظر عن المسميات التقنية لذلك، وهو ما عبّرت عنه شخصيات عديدة، عشيّة التصويت في البرلمان الأوروبي على اتفاقية «بريكست»، معتبرة أن قبولها بها ليس وداعاً لبريطانيا، بل نوعٌ من «إلى اللقاء». ويراهن البعض، هناك، على أنّ المملكة المتحدة ما بعد الحقبة الجونسونية الحالية ــ التي قد تمتد لعقد على الأقل بعد التفويض الحاسم الذي حصلت عليه حكومة «المحافظين» في الانتخابات العامة الأخيرة في كانون الأول / ديسمبر الماضي ــ قد تعيد التفكير في موقفها، وتطلب العودة مجدداً. لكن هذه المراهنات لا تعدو كونها خداعاً، وحلم ليلة خريفية، ذلك أن الأميركيين يتنطّحون إلى الحلول محلّ الأوروبيين بأي ثمن، ويبدو أنّ لديهم أجندتهم الخاصّة لذلك. وقد تقصّد وزير الخارجية مايك بومبيو أن يزور لندن، بشكل رسمي، عشية خروجها من عهدة البر الأوروبي، ليلعب دور مندوب سامٍ لدولته التي تصبو إلى السوق البريطانية (خامس أكبر اقتصاد في العالم). وهو بذلك بدّد أيّ شكوك بشأن واقع أن «الإمبراطورية العجوز» المتقاعدة، بخروجها الرسمي من عُهدة بروكسل، إنّما تسقط في حضن واشنطن، من دون المرور بمرحلة انتقالية، قبل إطلاق التحضيرات للمحادثات مع بروكسل يوم الإثنين المقبل.
زيارة بومبيو لم تقتصر على الشكليات، فقد كان واضحاً عمله على ثنيِ لندن عن قرارها العمل مع عملاق الاتصالات الصيني «هاواوي»، بخصوص نقل بنيتها الرقمية إلى الجيل الخامس، في وقت يسعى فيه، أيضاً، إلى وأد تطلّعات وزير الخزانة البريطاني، ساجد جاويد، لفرض ضرائب (بالمليارات) على عمليات شركات الخدمات الأميركية الكبرى (مثل «أمازون»، و«ستارباكس»، و«آبل»، و«غوغل»، و«نيتفليكس»...). ترافق ذلك مع رسالة مفتوحة، كتبها السفير الأميركي في الصحف، دعا فيها الحكومة البريطانية إلى فتح أسواقها، فوراً، أمام منتجات الدجاج الأميركي المُعالَج بالكلورين ــ والذي تحرّمه تشريعات الاتحاد الأوروبي ــ كبادرة حسن نيّة تجاه الأخت الكبرى، التي تطمح أيضاً إلى فتح أبواب مشروع «إتش تو» ــ أكبر مشاريع البنية التحتية في أوروبا المعاصرة على الإطلاق ــ وتوسعة مطار هيثرو، وقطاع الصحة العام، لرؤوس الأموال الأميركية الخاصة. وإن تمّ كلّ ذلك، فسيعني أن بريطانيا ــ أو ما تبقى منها بعد تفكّكها المتوقّع ــ ستتحوّل إلى يونان أخرى، تملكها فعلياً مصارف أجنبية، مقرّها نيويورك لا برلين.



كيف سنتعامل مع الآتي؟


تتبلور مشاهد الخوف من المرحلة المقبلة، بأشكال كثيرة، يبدو أكثرها إلحاحاً تساؤل الرعايا البريطانيين عن وضعهم في دول الاتحاد الأوروبي، بعد «بريكست»، يقابله تساؤل الرعايا الأوروبيين عن أوضاعهم في بريطانيا. وفي هذا الإطار، أشارت صحيفة «ذي غارديان»، أمس، إلى أن المواطنين البريطانيين يعيشون حالة من الارتباك إزاء الرعاية الصحية ورواتبهم، بالرغم من أنه جرى التطرّق إلى المسألتين في إطار اتفاق الخروج. وذكرت الصحيفة أن أكثر من مئة بريطاني من أصل ستمئة، جرى التواصل معهم، أشاروا إلى خوفهم من تقلّص معاشاتهم التقاعدية، وخسارة حقوقهم بالحصول على العلاج الصحّي.
وفي مقال ثانٍ، أشارت «ذي غارديان» إلى مشكلة أخرى بدأ يواجهها البريطانيون، وتتمثّل في مواجهة الشركات البريطانية المزيد من التحقق والأعمال الورقية على الحدود، الأمر الذي سينطبق على الشركات الأوروبية الداخلة إلى المملكة، بناءً على اقتراحات رئيس الحكومة بوريس جونسون، الساعي إلى إظهار «سيادة» بريطانيا واستقلاليتها بأي شكل.
(الأخبار)