اجتمع قادة «حلف شمالي الأطلسي»، الأسبوع الماضي، في واتفورد، قرب لندن، لمناسبة الذكرى السبعين لتأسيسه في عام 1949. وقتذاك، هدف أعضاء الحلف الـ12 إلى تبنّي سياسة دفاعية ضدّ الاتحاد السوفياتي و«حلف وارسو». لكنّ المشهد يبدو مختلفاً في عالمٍ مجزّأ، لا يتقاسم فيه أعضاء «الناتو» الـ29 الأهداف والرؤى الاستراتيجية نفسها، إذ باتوا يتساءلون عن مستقبل هذا الحلف الذي تعتريه أسئلة وجودية، راهناً، برغم كونه استطاع النجاة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، من خلال وجوده في البلقان وأفغانستان. وقد ساهم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وإن بطريقة غير مباشرة، في إنقاذه مرة جديدة، بعد ضمِّه شبه جزيرة القرم، ليصبح «الخطر الروسي» الهدف الوحيد الذي يعمل الحلف على احتوائه والتصدي له، علماً بأن الأرقام تشير إلى أن الإنفاق العسكري لفرنسا وحدها، يفوق الإنفاق العسكري الروسي؛ ويؤكد الباحث في «معهد استكهولم لأبحاث السلام الدولي»، بيتر ويزيمان، أن الإنفاق العسكري الروسي، الذي يُنظر إليه على أنه تهديد لأوروبا الوسطى والشرقية، انخفض في العامين الماضيين، واحتلّ المرتبة السادسة عالميّاً، في عام 2018.

هناك سؤالان يطرحهما أعضاء «الأطلسي»، راهناً: من هو عدوّنا؟ وما فائدة هذا الحلف؟ يأتي هذان التساؤلان بعد حديث الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أخيراً، عن «موت سريريّ» للحلف، وإشارته إلى أن أوروبا باتت تقف على «حافة الهاوية»، وأنها تحتاج إلى التفكير من منطلق كونها قوة جيوسياسية مستقلّة عن الولايات المتحدة، وإلّا «لن يكون في إمكاننا، كأوروبيين، السيطرة على مصيرنا». أثار هذا التصريح حالة من الصدمة والانزعاج في أوساط دول «الناتو»، ولا سيّما ألمانيا. انزعاجٌ انسحب على تركيا أيضاً، التي ردّ رئيسها رجب طيب إردوغان، مشيراً إلى أنه «ربّما كان الرئيس الفرنسي في حالة موت دماغي». استنكرت باريس هذه الإهانات التي جاءت نتيجة تدهور العلاقات البينيّة بين البلدين، وخصوصاً بعدما امتنعت فرنسا عن دعم العملية التركية في الشمال السوري. ومن ضمن الملفات التي تثير غضب فرنسا وأعضاء «الناتو» تجاه إردوغان: شراء تركيا منظومة «أس 400» الروسية، ولعبتها المضطربة في المياه القبرصية، وابتزازها الدائم لأوروبا في موضوع اللاجئين.

على الاتحاد الأوروبي أن يتلقّى الرسالة الفرنسية وأن يعمل على تعزيز استقلالية الدفاع الأوروبي


إشارة الرئيس الفرنسي إلى ضرورة إيجاد بديل عن «الناتو» على المستوى الأوروبي، وحالة «الموت السريري» لهذا الحلف، لم تكن مفاجئة بالنسبة إلى مَن يتتبّع الدبلوماسية الفرنسية بقيادة ماكرون، كون الأخير، نفسه، هو من أطلق من جامعة «السوربون»، في أيلول/ سبتمبر 2017، «المبادرة من أجل أوروبا، أوروبا سيدة موحّدة وديمقراطية». ومن أجل حمايتها داخلياً وخارجياً، تقترح هذه المبادرة تعزيز استقلالية أوروبا على مستوى الدفاع ــ على أن يكون لـ«الناتو» دور مكمِّل في هذا السياق ــ، والعمل على خلق وتطوير ثقافة استراتيجية أوروبية مشتركة، وإنشاء صندوق أوروبي مشترك للدفاع. ومِن المستغرب أن تصريح ماكرون أثار غضب نظيره الأميركي دونالد ترامب، بالنظر إلى أن هذا الأخير آثر على انتقاد الحلف الذي يمثّل «عبئاً» على الموازنة الأميركية، داعياً حلفاءه الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم في موازنة الحلف.
هذا التناقض الجوهري المضمر لسياسة واشنطن تجاه الأوروبيين، وخصوصاً فرنسا، غالباً ما يظهر في أوقات الأزمات. ولطالما طالبت الولايات المتحدة أوروبا بتعزيز قدراتها الدفاعية، لكنّ المفارقة أنه عندما تبادر هذه الأخيرة للعمل من أجل استقلاليتها على المستوى الدفاعي، فإن ذلك لا يلقى استحساناً أميركياً. سعى جاك شيراك في عهده إلى أن يتولى الاتحاد الأوروبي مسؤولية الدفاع من خلال الانفتاح على روسيا، وأخذ مسافة من الولايات المتحدة، ما دفع الإدارة الأميركية، في ذلك الوقت، إلى وضع حدود لـ«أوروبا للدفاع»، وهو ما تكرّر مع معارضة فرنسا وألمانيا لاحتلال العراق عام 2003، وهذا ما نشهده اليوم من خلال الحملة ضد ماكرون، الذي أعاد طرح النقاش حول مستقبل «الأطلسي» وماهيته السياسية والاستراتيجية، بعيداً عن النقاش الأميركي الذي يدور في فلك المساهمات المالية لأعضائه (مساهمة 2% لجميع الأعضاء من الناتج المحلي الإجمالي)، خصوصاً في ظل الانسحاب الأميركي من المنطقة، والإحباط الأوروبي من سياسات ترامب الانعزالية والحمائية، وغياب استراتيجية واضحة للسياسة الخارجية الأميركية، ما دفع بعض الدول الحليفة لواشنطن إلى تنويع حلفائها (دول الخليج نموذجاً ــ تعزيز العلاقات مع الصين وروسيا).
أخيراً، مهما بلغت حدة الانتقاد الأميركي لهذا الحلف، يبقى لديه بعدٌ استراتيجي وجيوسياسي مهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يمكن التخلي عنه. ويختصر تصريح أول أمين عام لـ«الناتو»، هاستينغز إسماي، حين قال: «هدفنا هو إبعاد الروس وإبقاء الأميركيين»، النظرة الأميركية إلى الحلف. على المدى المتوسط، سيبقى «الأطلسي» الأداة الرئيسة للدفاع عن أوروبا، ولكن ستظهر بعض المبادرات الأوروبية «المكمِّلة» لهذا الدور، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يتلقّى الرسالة الفرنسية وأن يعمل على تعزيز استقلالية الدفاع الأوروبي، لأن مستقبل أوروبا يبدو «أوراسياً» وليس «أطلسياً»، في ظل تراجع الدور الأميركي على مستوى العالم.