دفعت التطورات الإقليمية الأخيرة، القيادة الإسرائيلية، إلى بدء حراك مضاد، يستهدف رفع مستوى الاستعداد من أجل درء المخاطر التي تنطوي عليها تلك التطورات. المُعطى الأبرز الذي تكررت الإشارة إليه على ألسنة المسؤولين والخبراء ووسائل الإعلام تمثّل بالنفقات المالية التي تتطلّبها خطط بناء القوة، في الوقت الذي يواجه فيه الاقتصاد الإسرائيلي المزيد من التحدّيات. وهي نفقات فرضت على القيادة أداءً إعلامياً وسياسياً توضيحياً، بغرض تهيئة الجمهور لتقبّل مفاعيل سياسات التقشّف في المجال الاجتماعي، والمزيد من الإنفاق في المجال الأمني، خاصة وأن ذلك قد ينعكس على المستوى المعيشي للأفراد والأسر.

بعد أيام على دعوة رئيس وزراء العدو إلى رصد موازنات أمنية غير مسبوقة منذ ما بعد حرب عام 1973، تسارعت اللقاءات بين الجهات المختصّة بهدف تذليل العقبات أمام استكمال مشاريع التطوير، وعدم انتظار تشكيل الحكومة. وفي هذا الإطار، كشفت تقارير إعلامية أن المجلس الوزاري المصغّر صادق على المرحلة الأولى من مشروع أمني حسّاس تابع للجيش، مرتبطٍ بما يطلق عليه «الأمن الجاري». وفي السياق نفسه، جاء اللقاء بين رئيس الأركان أفيف كوخافي، ووزير المالية موشيه كحلون، لبحث الخطة متعددة السنوات. إذ خلافاً لخطط سابقة كان يصل أمدها إلى 5 سنوات، يطلب الجيش هذه المرة المصادقة على خطة لمدة 10 سنوات. كما تطالب المؤسسة الأمنية بزيادة ميزانيتها بـ40 مليار شيكل للسنوات العشر القريبة، بمعدل 4 مليارات شيكل سنوياً، بينما ترهن وزارة المالية هذه الزيادة بالتزام الجيش بخطوات تقليصية محدّدة. ووفقاً لموقع «غلوبس» الاقتصادي، فإن ضباطاً رفيعي المستوى في الجيش التقوا رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، وعرضوا أمامه التهديدات المُحدقة بإسرائيل، والصعوبات التي يواجهها الجيش بخصوص الموازنة. ولفت الموقع إلى أن هذا اللقاء كان أحد الأسباب التي دفعت ريفلين إلى القول، خلال كلمته في افتتاح «الكنيست»، إن تشكيل الحكومة هو «أكثر من أي وقت مضى (تلبية) لحاجة اقتصادية وأمنية لم نعرف مثلها منذ سنوات طويلة».

في كلّ التجاذبات التي شهدتها إسرائيل بقيت الكلمة النهائية لصالح المؤسسة الأمنية


من الواضح أن الهدف من هذه السلسلة من الخطوات والمواقف هو محاولة إقناع الرأي العام الإسرائيلي بضرورة تحمّل الأعباء الناتجة من تلك المشاريع الأمنية. ويعود هذا المستوى من الاهتمام السياسي بموقف الجمهور إلى كون القيادتين السياسية والأمنية اليوم أكثر اهتماماً به من أيّ وقت مضى. وهو ما سبق أن أشار إليه رئيس أركان الجيش السابق، في كلمة له أمام معهد أبحاث الأمن القومي (تموز/ يوليو 2016)، بالقول إن «العامل الثالث (الذي يشكل تحدّياً أمام الجيش في بلورة استراتيجيته وخطط بناء القوة) هو البيئة الاجتماعية الداخلية في دولة إسرائيل والتي ترغب في تغيير سلّم الأولويات القومية»، وإن «هذه الظاهرة بدأت في أعقاب احتجاجات صيف 2011، بشعار "الشعب يريد عدلاً اجتماعياً" وهو ما يتجسّد في تحويل موارد إلى أماكن أخرى باستثناء الأمن»، فضلاً عن الحديث الإعلامي المتزايد حول النفقات الأمنية، وضرورة تشكيل لجنة لفحص كيفية تقليص كلفة الأمن.
وشهدت إسرائيل في عام 2011 تظاهرات احتجاجية، هدفت إلى الضغط على الحكومة من أجل بلورة نقطة توازن جديدة بين مقتضيات اقتصاد السوق الحرة والاندماج في السوق العالمية، وبين الحاجة إلى حدّ أدنى من التكافل الاجتماعي. ومن أجل ذلك، تمت المطالبة بتقليص النفقات الأمنية. وبفعل الضغط الجماهيري في حينه، اضطر الجيش إلى الاكتفاء بنفقات وفق خطط سنوية، وتجميد خططه الخمسية لمدة ثلاث سنوات، وهي المدة التي فصلت بين خطة تيفن (2008- 2012) وخطة غدعون (2015 – 2020)، وتمّ خلالها احتواء الغضب الشعبي واعتماد سياسة أكثر شفافية، والمبادرة إلى خطوات تقليصية في مجالات يمكن الاستغناء عنها، لكن لصالح زيادة نفقات في مجالات أهم.
اللافت في زيادة الموازنات الأمنية راهناً، بالمقارنة مع ما كانت عليه منذ أكثر من أربعة عقود، أن ارتفاعها في تلك الحقبة ارتبط بصدمة حرب عام 1973، وبالتهديد الذي كان يشكله الجيشان المصري والسوري آنذاك. أما الآن، فتجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى رفع موازنتها الأمنية بنسبة غير مسبوقة، على رغم اتفاقية «كامب ديفيد» التي حيّدت مصر وجيشها عن المواجهة، ثم تبعتها اتفاقيتا «أوسلو» و«وادي عربة»، وصولاً إلى الأحداث التي شهدتها سوريا والعراق وأدت إلى استنزاف البلدين، وتراجع التهديد الذي كانا يشكّلانه بالنسبة إلى إسرائيل. وسبب هذا الارتفاع في الموازنة، كما يعلنه المسؤولون الإسرائيليون بأنفسهم، هو التهديد المتعاظم الذي يشكله محور المقاومة، وتطويره قدراته على المستويين الكمّي والنوعي، في مقابل فشل الرهان على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياسة العقوبات الاقتصادية القصوى.
لكن، ما يجدر التنبه إليه أيضاً، هو أنه في كلّ التجاذبات التي شهدتها إسرائيل بقيت الكلمة النهائية لصالح المؤسسة الأمنية، وما يلبّي متطلّبات مواجهة التهديدات. وهذا هو النهج الذي سار عليه كيان العدو طوال تاريخه، عندما كان يتعلّق الأمر بمخاطر استراتيجية ووجودية.