صعّدت الإجراءات الأميركية الأخيرة في وجه الصين حدّة التوتر المتفاقم أصلاً على خلفية الحرب التجارية، إذ قرّرت إضافة إجراء بتصنيف الأخيرة «دولة تتلاعب بالعملة» بعدما اتهمتها بإضعاف اليوان. خطوةٌ من المتوقع أن تُلحق «ضرراً هائلاً بالنظام المالي العالمي، وتسبب فوضى في الأسواق المالية»، كما رأى البنك المركزي الصيني. الخطوة الأميركية، التي تمثّل تحولاً مفاجئاً في السياسة الخارجية، جاءت بعد تراجع حاد لليوان (صار 7.02639 مقابل الدولار أمس)، حين سجّل أدنى مستوياته مقابل العملة الأميركية خلال عقد تقريباً، ما دفع إلى إطلاق الرئيس دونالد ترامب وابلاً من التغريدات الغاضبة. لكنّ العملة الصينية استقرت أمس، وسط مؤشرات على أن «المركزي» قد يبحث وقف هذا التراجع الذي أشعل مخاوف من حرب عملة عالمية، علماً أن القرار الأميركي جاء بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إعلان «صندوق النقد الدولي» أن قيمة اليوان تتماشى مع العوامل الاقتصادية الأساسية للبلد، بينما يزيد الدولار على قيمته الفعلية بنسبة بين 6% و12%.

هكذا، للمرّة الأولى منذ 1994، قرّرت «الخزانة» الأميركية «بموافقة ترامب» تصنيف الصين «دولة تتلاعب بالعملة»، لتنقل النزاع التجاري إلى ما يتجاوز الرسوم الجمركية التي عزّزها الرئيس الأميركي الأسبوع الماضي بإعلانه المفاجئ خططاً لزيادة رسوم بنسبة 10% على مزيد من السلع الصينية المستوردة بقيمة 300 مليار دولار، اعتباراً من الأول من الشهر المقبل. نتيجة لذلك، سيدعو وزير الخزانة، ستيفن منوتشين، «النقد الدولي» إلى «إلغاء المزايا التنافسية غير العادلة التي خلقتها الإجراءات الصينية الأخيرة»، وفق الوزارة التي كانت قد أدرجت الصين في آخر تقاريرها ضمن «لائحة مراقبة» الدول المعرضة لمراقبة دقيقة بسبب ممارساتها الخاصة بالعملة. فبعد تصنيفها دولة «تتلاعب بالعملة»، يتعيّن على «الخزانة» المطالبة بمحادثات خاصة تهدف إلى تصحيح أي عملة مقدّرة بأقل من قيمتها الفعلية، مع فرض عقوبات مثل الاستبعاد من عقود مشتريات الحكومة الأميركية.

«المركزي» الصيني: سيُلحق قرار واشنطن ضرراً هائلاً بالنظام المالي العالمي


في المقابل، يصرّ «المركزي» الصيني على أنّ قيمة اليوان تحدّدها السوق. وفي أول ردّ رسمي على أحدث هجوم أميركي في الحرب التجارية المتصاعدة، أعلن البنك أمس أن قرار واشنطن سيُلحق «ضرراً هائلاً بالنظام المالي العالمي، وسيسبّب فوضى في الأسواق المالية»، إلى جانب أنه سيُعرقل أيضاً «التعافي الاقتصادي والتجاري العالمي»، مؤكداً أن الصين «لم ولن تستخدم سعر الصرف كأداة للتعامل مع النزاعات التجارية». ونصح «المركزي» الولايات المتحدة «بكبح جماحها قبل أن تصل إلى شفا الهاوية، وأن تعي أخطاءها، وأن تتراجع عن المسار الخطأ».
ويضع القانون الأميركي ثلاثة معايير لتعريف التلاعب بالعملة بين الشركاء التجاريين الرئيسيين: امتلاك فائض كبير في ميزان المعاملات الجارية العالمي، ووجود فائض تجاري كبير مع الولايات المتحدة، والتدخل المستمر من جانب واحد في أسواق الصرف الأجنبية. لكن «المركزي» يقول إن معايير التصنيف لا تنطبق عليه. ومن هنا، يرى كبير خبراء الاقتصاد لدى بنك «تشاينا سيكيورتيز»، تشانغ آن يوان، إنه «لا مبرر لأن يخلص الجانب الأميركي إلى أن هناك تلاعباً بسعر الصرف استناداً إلى تغير سعر صرف الرينمنبي (اليوان) خلال يوم واحد... من المحتمل أن تطبق واشنطن إجراءات عقابية تتجاوز الفهم الحالي للوضع».
وبعد يوم من تصعيد إدارته للتوترات، دحض ترامب المخاوف من حرب تجارية طويلة الأمد مع الصين، قائلاً إن بلاده «في موقف قوي للغاية». وسعى إلى تهدئة مخاوف المزارعين الأميركيين بعدما أغلقت بكين أبوابها في وجه الواردات الزراعية الأميركية. وقال عبر «تويتر»، إن «كميات هائلة من المال من الصين وأجزاء أخرى من العالم تتدفق على الولايات المتحدة بفضل الأمان والاستثمار وأسعار الفائدة! نحن في موقف قوي للغاية. الشركات أيضاً تأتي إلى الولايات المتحدة بأعداد كبيرة. جميل أن نرى هذا!». وأضاف أنه سيواصل دعم المزارعين الذين تلقوا من إدارته عرضاً بحزمة مساعدات تبلغ 16 مليار دولار للتعامل مع الخسائر التي تكبّدوها بسبب الحرب التجارية. وقال: «يعلم المزارعون الأميركيون العظماء أن الصين لن تتمكن من إلحاق الأذى بهم... لأن رئيسهم يقف إلى جانبهم وفعل ما لن يفعله أي رئيس آخر!».
ترافق كل ذلك مع إعلان المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، لاري كادلو، أن ترامب يريد التوصّل إلى اتفاق تجاري مع الصين، شرط أن يكون «مناسباً» لواشنطن. وقال كادلو لشبكة «سي ان بي سي» الأميركية، إن «الرئيس لم يكن راضياً» عن بطء وتيرة المحادثات في وقت سابق، مضيفاً أنه «يحمي الاقتصاد الأميركي من الكثير من الممارسات التجارية الجائرة».



الصين تهدّد بـ«تدابير مضادة» بشأن الصواريخ


حذرت الصين من أنّها ستتخذ «تدابير مضادة» في حال مضت الولايات المتحدة في خطط نشر صواريخ أرضية متوسطة المدى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. التحذير الصادر أمس جاء بعد أيام من إعلان وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، أنه بات بإمكان بلاده نشر تلك الأسلحة في أعقاب انسحابها الأسبوع الماضي من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية المتوسطة المدى الموقّعة مع روسيا.
في السياق، قال المدير العام لمراقبة الأسلحة في الخارجية الصينية، فو كونغ، إن «الصين لن تبقى مكتوفة اليدين، وستكون مضطرة إلى اتخاذ تدابير مضادة في حال نشرت الولايات المتحدة صواريخ أرض متوسّطة المدى في هذه المنطقة»، داعياً «الدول المجاورة إلى توخّي الحذر ومنع الولايات المتحدة من نشر صواريخها». وخصّ بالذكر أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، محذراً من أن ذلك لن يخدم أمنها القومي. وقال فو (الصورة): «من المهم أن تدرك الولايات المتحدة أنها تقترح نشر الأسلحة على أبواب الصين... بالنسبة إلى دولة شهدت أزمة الصواريخ الكوبية، أعتقد أن على الشعب الأميركي أن يتفهّم مشاعر الصين».
وبينما استبعدت أستراليا احتمال نشر الصواريخ على أراضيها قائلة إنه لم يُطلب أساساً من كانبيرا استقبالها، أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أنه لم تجرِ أي مباحثات مع واشنطن بشأن نشر الصواريخ.