اختتم «مجلس الاحتياطي الفدرالي» الأميركي (المصرف المركزي)، يوم أمس، اجتماعاً نقدياً تاريخياً أفضى إلى خفض معدلات الفائدة، للمرة الأولى منذ 11 عاماً، لتعزيز نمو الاقتصاد، بينما يطالب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بمعدلات أدنى. وأعلن «الاحتياطي» خفض نسبة فائدته الرئيسة للإقراض بمقدار ربع نقطة مئوية (0,25 نقطة)، لتصبح بين 2% و2,25%.

وبينما أكد رئيس «الاحتياطي»، جيروم باول، أن التوقعات للاقتصاد الأميركي تبقى إيجابية، أشار إلى أنّ من شأن خفض معدّل الفائدة أن يعزّز عودة أسرع للتضخم إلى مستوى 2% المستهدف. وقال إن النمو الخارجي مخيب للآمال، وخصوصاً في منطقة اليورو والصين، لافتاً إلى أن ضعف النمو العالمي والتوترات التجارية لهما تأثير في الاقتصاد الأميركي.
وكان باول قد أعلن، أخيراً، أنّ المؤسسة مستعدّة لدعم انتعاش الاقتصاد الأول في العالم، الذي سجّل للتوّ نمواً للسنة العاشرة على التوالي. لكن من غير المرجح أن ينجح في تهدئة انتقادات ترامب الذي يخوض حملة للفوز بولاية رئاسية ثانية في انتخابات 2020، ويدرك أهمية النمو لإعادة انتخابه.

أعلن «الاحتياطي» خفض نسبة فائدته الرئيسة للإقراض بمقدار ربع نقطة مئوية


ويبدو أن «الاحتياطي الفدرالي» قرّر التحرك في مواجهة تضخم ضعيف، واضطراب النمو العالمي، والمخاوف المرتبطة بالحرب التجارية الأميركية الصينية، وكذلك بسبب الضغط المتواصل للبيت الأبيض المُطالِب بمعدلات أدنى. ويرى المركزي الأميركي أنّ التضخم قليل جداً، وأنّ معدل 2% هو النسبة السليمة للنشاط الاقتصادي. ولئن استقرت نسبة التضخم عند 1,4%، فإن نسبة نمو الاقتصاد الأميركي متينة عند 2,1% في الفصل الثاني من 2019، ونسبة البطالة تلامس أدنى مستوى لها تاريخياً في نصف قرن (3,7%).
ويخشى العديد من الاقتصاديين من أن يؤدي خفض في المعدلات إلى تحفيز الاقتصاد من دون مبرّر، ما يعزّز فرص حصول طفرة مالية، ولا سيما في قروض الشركات عبر إعادة التضخم. في هذا الإطار، رأى الرئيس السابق للاحتياطي الفدرالي في نيويورك، بيل دادلي، في افتتاحية نشرتها وكالة «بلومبرغ»، أن «كثيرين يرون في هذا الخفض خطوة أولى في اتجاه سياسة جديدة لتحفيز اقتصاد هش، لكنني لست متأكداً من ذلك... أعتقد أنّ هناك فرصة كبيرة ليمتنع الاحتياطي الفدرالي عن خفض معدلاته لبعض الوقت»، مضيفاً: «إذا بقي الاقتصاد بالوتيرة نفسها وتسارع التضخم، فإن المركزي سيضطر إلى رفع المعدلات مجدداً في انقلاب قاسٍ يمكن أن يفجر الفقاعة التي أحدثها بنفسه».
صحيفة «نيويورك تايمز» حذّرت، من جهتها، من إمكانية حصول ركود اقتصادي. وفي السياق، ربطت خطوة الاحتياطي الفدرالي بقرار مماثل اتُّخذ عام 2008، عندما غرق الاقتصاد في ركود عميق، في محاولة للحفاظ على مستوى معيّن من النمو الاقتصادي. ولفتت الصحيفة إلى أن خطوة الاحتياطي نفعت في ذلك الحين، فقد نما الاقتصاد وانخفض معدّل البطالة. وفيما رأت أن قرار خفض معدلات الفائدة قد يُسعد ترامب، اعتبرت أنّ خطوة هذه المؤسسة، التي تعمل بنحو مستقل عن البيت الأبيض، قد تكون مدفوعة بالحذر، وليس بالسياسة، وذلك لأنها تسعى إلى «تطعيم الاقتصاد ضد الآثار الضارّة لتباطؤ النمو العالمي وحرب ترامب التجارية». وذكرت الصحيفة أنه «بينما يستمر الاقتصاد الأميركي في التزعزع، فإن شقوقاً قد بدأت تظهر». وأشارت، في هذا الإطار، إلى أنّ الاستثمار والثقة الاقتصاديين قد تأذّيا في ظل مشاحنات ترامب وتعريفاته التجارية. وانطلاقاً من هذه الفكرة، فإن «مؤشر الركود القوي يومض باللون الأحمر»، وفق ما توصّلت إليه. إلا أن ذلك لم يمنعها من الإشارة إلى أنّ «تخفيضاً خفيفاً في معدّل الفائدة قد يُحدث بالفعل هزة اقتصادية طفيفة، من طريق خفض أسعار الفائدة الاستهلاكية ورفع أسعار الأسهم، ما يعطي الشركات المزيد من الأسباب للاستثمار، والمستهلكين دفعاً إضافياً للشراء». بناءً عليه، خلصت الصحيفة إلى أنه يُنظر إلى الخطوة على أن «الهدف منها إعادة نوع من التوازن، من أجل مساعدة الاقتصاد في البقاء على المسار الصحيح».